القرآن مرآة الحياة العربية قبل الإسلام… محمد عيسى مع أكمل صفوت بصالون تفكير

كتب: نور البطاوي لمجلة تفكير

في أجواء فكرية مشحونة برغبة المساءلة والبحث، نظم صالون “تفكير” ندوة استثنائية أدارها الأستاذ أكمل صفوت، بمناسبة مرور مائة عام على صدور كتاب “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب العربي طه حسين. استضاف الصالون الدكتور محمد عيسى، الأكاديمي والباحث البارز في علوم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وصاحب الخبرة الممتدة لأكثر من أربعين عاماً في الجامعات المصرية والأمريكية، والرئيس السابق للرابطة الأمريكية لأساتذة اللغة العربية.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 القرآن مرآة الحياة العربية قبل الإسلام... محمد عيسى مع أكمل صفوت بصالون تفكير

لم تكن الندوة مجرد استعادة تاريخية لكتاب أثار زلزالاً في الثقافة العربية، بل كانت محاولة للإجابة على سؤال جوهري طرحه الدكتور عيسى: “ما هي مرآة الحياة الجاهلية، ومن أين نلتمسها؟”.

طه حسين.. اللقاء الأول والمواجهة مع “الميكروب”

بدأ الدكتور محمد عيسى مداخلته بلمحة شخصية مؤثرة، مستعيداً صورة قديمة له تعود لسنوات دراسته في الأزهر، وهي الفترة التي شهدت بدايات تعرفه على أفكار طه حسين. روى عيسى كيف كان يُنظر لطه حسين في أروقة الأزهر حينها كـ “ميكروب” يجب على الأزهري “المتطهر” ألا يمسه لئلا يُعدى ذهنياً.

ورغم هذا الحظر، وجد عيسى في كتابات طه حسين، وخاصة “الأيام”، مرآة صادقة للواقع الذي كان يعيشه زملاؤه المغتربون في القاهرة، حيث ربط بين وصف حسين لبيئة “الربع” وبين حياة الطلاب الأزهريين في عصره. هذا الانبهار الأولي بصدق طه حسين الفني كان المدخل لفهم منهجه النقدي الذي لم يزده تراكم السنين إلا عمقاً وفهماً.

زلزال 1926: صدمة المنهج لا المعلومة

انتقل الدكتور عيسى إلى لب القضية، موضحاً أن التحدي الذي طرحه طه حسين عام 1926 لم يكن مجرد إنكار لوجود بعض الشعر الجاهلي، بل كان ثورة في المنهج. اعتمد حسين على “منهج الشك الديكارتي”، داعياً إلى إخلاء الذهن تماماً من المعلومات المسبقة والعواطف الدينية عند دراسة التراث.

لقد وضع طه حسين الشعر الجاهلي -الذي اعتُبر لقرون “ديوان العرب” وسجل تاريخهم الموثوق- في مأزق البحث العلمي. وتساءل عيسى، مستحضراً أطروحة حسين: إذا اختفى الشعر الجاهلي تماماً، فكيف سنعرف حقيقة المجتمع العربي قبل الإسلام؟. وهنا تبرز المفارقة التي طرحها العميد؛ فبينما شكك في أصالة الشعر الذي وصل عبر الرواية الشفوية المتأخرة، قدم القرآن الكريم كأصدق مرآة ومعاصرة للحياة الجاهلية.

القرآن مقابل الشعر: صراع الموثوقية

أوضح الدكتور عيسى أن طه حسين اعتبر القرآن وثيقة قطعية الثبوت، تعكس لغة العصر وعقائده وبنيته الاجتماعية بدقة مذهلة. فالقرآن، في نظر حسين، نزل ليخاطب ناساً يتفاعلون معه فكرياً واقتصادياً واجتماعياً، مما يجعله المصدر الأكثر يقيناً لوصف الجاهلية مقارنة بالشعر الذي لم يُدوَّن إلا بعد قرون.

d8b7d987-d8add8b3d98ad986 القرآن مرآة الحياة العربية قبل الإسلام... محمد عيسى مع أكمل صفوت بصالون تفكير

ومع ذلك، لم يمر هذا الطرح دون معارضة شرسة. فقد جادل خصوم حسين بأن القرآن “كتاب هداية” لا “كتاب تاريخ أو أنثروبولوجيا”، وأنه يعرض من المجتمع ما يخدم الرسالة الدينية فقط، بينما يتفرد الشعر بوصف تفاصيل الحياة اليومية، والمشاعر، والطبيعة، والوحوش، وهو ما يمثل الوجدان العربي الحقيقي.

معارك “النحل” وحرية البحث الأكاديمي

تطرقت الندوة إلى قضية “النحل” أو الانتحال في الشعر الجاهلي، حيث أشار الدكتور عيسى إلى أن طه حسين لم يكن أول من شكك في أصالة الشعر، فقد سبقه ابن سلام الجمحي والمستشرق ديفيد مرجليوث. لكن حسين توسع في الفكرة وربطها بأسباب سياسية وقبلية ولغوية، مؤكداً أن البحث التاريخي يقتضي فحص المصدر قبل الاعتماد عليه.

استعرضت الندوة أيضاً ردود أفعال كبار المفكرين؛ من مصطفى صادق الرافعي الذي رأى في شك حسين “إجحافاً” وتأثراً أعمى بالغرب، إلى محمد فريد وجدي الذي جادل بأن الأمة التي حفظت القرآن قادرة على حفظ الشعر. كما تم تسليط الضوء على المعركة الشهيرة بين طه حسين وتلميذه النابغة محمود شاكر، الذي اعتز بكرامته الصعيدية وهجر الجامعة احتجاجاً على آراء أستاذه، مؤكداً أن التذوق اللغوي العميق للتراث لا يمكن أن يتم عبر مناهج “مستوردة”.

بيد أن المكسب الأكبر من هذه المعارك، كما يرى الدكتور عيسى، لم يكن في إثبات انتحال الشعر من عدمه، بل في انتصار حرية الفكر والبحث الأكاديمي الذي جسده تقرير النيابة الشهير لمحمد نور، والذي برأ طه حسين من تهم الزندقة والكفر.

“ماذا بعد؟”: إرث طه حسين في الفكر المعاصر

في الجزء الأخير من الندوة، طرح الحضور سؤالاً ملحاً: هل تجاوزنا صدمة طه حسين؟. يرى الدكتور عيسى أننا لا نزال “نحبو” في مضمار المنهج النقدي، مستشهداً بأسماء مثل نصر حامد أبو زيد، محمد أركون، وأدونيس، الذين واصلوا التفكير بالطرق الحديثة لمواجهة الجمود.

وأكد عيسى أن المنهج هو ما يبقى، وأن “التطور الفكري الإنساني” ليس حكراً على الغرب، بل هو ملك لكل إنسان يطمح لفهم الحقيقة. فاليوم، لا ينبغي لنا أن نقف في موقف العداء من المناهج العلمية لمجرد منشئها، بل علينا استخدامها لتفكيك أزماتنا الحاضرة.

مداخلات الحضور: الجاهلية بين الأخلاق والتاريخ

أثرت مداخلات الحضور النقاش؛ حيث تساءل الدكتور قاسم عن دقة مصطلح “الجاهلية”، معتبراً إياه تصنيفاً أخلاقياً سلبياً يتجاهل حضارات عظيمة في اليمن ومصر كانت سائدة قبل الإسلام. ورد الدكتور عيسى بأن “الجهل” هنا قد يُفهم بالمعنى الإيجابي كحالة ما قبل العلم بالشيء، وليس بالضرورة بمعنى الهمجية.

من جانبه، طرح الأستاذ جمال (النكاش) رؤية حول “تاريخية المناهج”، محذراً من ذوبان الخصوصيات الثقافية في المناهج الغربية، بينما اقترح جمال بن حويرب مشروعاً نقدياً وسطياً لتمييز الصحيح من المنحول في الشعر الجاهلي لخدمة الأجيال القادمة.

اختتم الدكتور محمد عيسى الندوة بخلاصة بليغة؛ فالقضية ليست صراعاً بين القرآن والشعر، بل هي دعوة للتكامل. القرآن يمنحنا الصورة الأكثر يقيناً للحياة الدينية والاجتماعية، بينما يمنحنا الشعر الأصيل صوت الإنسان الجاهلي ومشاعره ولغته. إن إعادة بناء وعينا بالماضي لا تقوم على مصدر واحد، بل على التكامل النقدي بين جميع المصادر، وهو الإرث الحقيقي الذي تركه لنا طه حسين قبل قرن من الزمان.

لمشاهدة ندوات موسم المحاضرات حول كتاب في الشعر الجاهلي كلها اضغط هنا

لمشاهدة فيديوهات د. محمد عيسى في صالون تفكير اضغط هنا

للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات