تفكيك بنية السلفية في صالون تفكير بين د. محمد بوشيخي و د. مولاي أحمد صابر
في ندوة فكرية اتسمت بالعمق الأكاديمي والتحليل التاريخي الرصين، استضاف صالون “تفكير”، برئاسة الأستاذ جمال عمر، الدكتور محمد بوشيخي لمناقشة أحدث إصداراته البحثية الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية لعام 2025، وهو كتاب “تفكيك السلفية: تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال”. أدار الندوة الدكتور مولاي أحمد صابر، الذي وصف المنصة بأنها “رائدة في مجال المعرفة والتثقيف وتوسيع دائرة النظر”.
بقلم: نور البطاوي

جذور التأسيس: بين النصيحة والعفة واختطاف ابن تيمية
استهل الدكتور بوشيخي عرضه بتفكيك اللحظات التأسيسية الأولى للسلفية، معيداً إياها إلى مدرسة أهل الحديث الأوائل الذين خاضوا صراعاً مريرًا دفاعاً عن السنة. وسلط الضوء على “محنة خلق القرآن” التي أنتجت نوعاً من الازدواجية في السلوك السياسي لدى الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث تمثلت في “النصيحة” للحاكم اتقاءً للفتنة، و”العفة” عن عطائه أمام العامة تعبيراً عن عدم الرضا عن شرعيته. ويرى بوشيخي أن هذه الازدواجية تحولت عبر التاريخ لتصبح سمة أساسية في السلفية المعاصرة، تعكس الهوة بين “المعلن والمضمر”.
وانتقل الباحث إلى قضية شائكة وصفها بـ “اختطاف ابن تيمية”، موضحاً أن فكر “شيخ الإسلام” اتسم بمنزع تجديدي وعقلاني، حيث خفف من حدة الخلافات الفقهية وكان “مقاصدياً” في فقهه. إلا أن التنظيمات المسلحة المعاصرة استغلت فتاواه، مثل “فتوى ماردين”، بعد انتزاعها من سياقها التاريخي لتبرير أحكام الديار والقتال.
اللقاء الهندي-النجدي: ولادة “الإحيائية الحديثية”
من أهم مفاصل الكتاب التي استعرضتها الندوة هو التفاعل بين المدرسة الوهابية النجدية ومدرسة المحدثين الهنود. أوضح بوشيخي أن مدرسة الهند كانت في الأصل مرنة ومنفتحة، لكن تفاعلها مع الوهابية أنتج ما أسماه بـ “الإحيائية الحديثية”، وهي مدرسة جعلت علم الحديث يتجاوز القواعد الأصولية التقليدية.
هذا التحول أدى بالوهابيين إلى التخلي تدريجياً عن ارتباطهم بالمذهب الحنبلي لصالح “المنهج الأثري” الصرف. وكان للشيخ محمد الدهلوي، الذي استقر في المدينة المنورة، دور بارز في إثبات شرعية منهج المحدثين باعتبارهم “الطائفة المنصورة”، ونسف المذهبية التقليدية.
الألباني: مهندس التحول الجوهري
أفرد الدكتور بوشيخي مساحة واسعة لتحليل ظاهرة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، معتبراً إياه الوجه الأبرز في “الحديثية الإحيائية”. الألباني لم يكتفِ بنقد المذهبية والتقليد، بل اجتهد في إثبات سلطة “خبر الآحاد” في نسخ القرآن، ورفع السنة إلى درجة مساوية للقرآن.

الأخطر في منهج الألباني، حسب بوشيخي، هو انتقاله من الجانب التعليمي إلى الدور التنظيري عبر شعار “التصفية والتربية”. ورغم الخلافات الحادة بين الألباني والمؤسسة الدينية السعودية حول قضايا مثل “العمل شرط صحة في الإيمان” أو “حجاب المرأة”، إلا أنه ظل رمزاً ذا نفوذ هائل. وقد برز أثر منهجه بشكل فج في فتنة جهيمان العتيبي (جماعة المحتسبة) عام 1979، حيث كان الألباني المسؤول المباشر عن تأطير رؤيتهم الدينية.
الزواج المحرم: “الألبانية” تلتقي بـ “القطبية”
فجر بوشيخي مفاجأة تحليلية حين تحدث عن “التوافق المفاجئ” بين الألبانية والفكر الحركي القطبي. فبينما كان السلفيون التقليديون يهاجمون سيد قطب، منح الألباني “القطبية” غطاءً شرعياً عبر تبني مفاهيم “الجاهلية” و”الحاكمية” و”المفاصلة”.

أوضح الباحث أن الألباني أعاد صياغة مفهوم “الطائفة المنصورة” لتصبح مالكة لصفة القتال، وليس العلم فقط، وهو ما يتماهى مع مفهوم سيد قطب عن “الجيل القرآني الفريد”. هذا التلاقح هو الذي أنتج “السلفية الجهادية” في خضم الجهاد الأفغاني في بيشاور، حيث تداخلت المفاهيم القطبية الحركية مع المنهج الحديثي الألباني.
مآلات السلفية: “الذئاب المنفردة” والقطيعة الشرعية
في ختام العرض، حلل الدكتور بوشيخي تحورات السلفية الجهادية التي انتهت إلى نموذج “الذئاب المنفردة”. هذا النموذج يتميز بـ “قطيعة شرعية” تامة مع التراث السلفي وحتى مع القيادات التقليدية؛ حيث أصبح “الجهادي هو الفقيه”، ولم يعد بحاجة لمرجعية خارجية.
ووصف بوشيخي هذه الحالة بـ “التوسل بالمرجعية”، حيث يأخذ الشاب الجهادي فتواه من “شيخ كاريزمي” كمطية لتنفيذ نزعاته الانقلابية دون فحص حقيقي للنصوص، مما يفسر وجود جهاديين يمارسون العنف وهم يفتقرون لأبسط الثقافات الدينية أو الالتزامات الشرعية.
تفاعل الحضور: تساؤلات حول الحداثة والتمويل
شهدت الندوة مداخلات ثرية؛ حيث تساءل الأستاذ أشرف عن اختيار الألباني كمرجعية رغم هجوم السلفيين على سيد قطب، معتبراً السلفية ظاهرة “حداثية بروتستانتية” لخروجها عن التقليد. كما أعرب الدكتور محمد عيسى (من شيكاغو) عن قلقه من انتشار الأفكار السلفية الهندية في أمريكا وتأثيرها على الشباب.
من جانبه، أشاد الأستاذ جمال عمر بجهد الباحث في تتبع دور محمد رشيد رضا وولي الله الدهلوي، مشيراً إلى ضرورة دراسة الإسلام خارج سياقه العربي لفهم تطور هذه الحركات.
خاتمة الندوة
انتهت الندوة بتأكيد الدكتور مولاي أحمد صابر على أن الكتاب يمثل حفراً في تاريخ الأفكار، وكيف يمكن لفكرة نشأت في “مجلس علمي” أن تتحول عبر سيرورة الزمن إلى قالب للقتال والتشدد، وهو ما يتناقض مع قيم الإسلام السمحة. لقد كان لقاءً فكرياً أعاد صياغة فهمنا للسلفية، ليس ككتلة صماء، بل ككيان متحول ومتحور باستمرار.
للاستماع لتسجيل صوتي للندوة من خلال راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد