د. محمد دوير يُشرِّح الحياة الفكرية والسياسية في سياق أزمة في الشعر الجاهلي بصالون تفكير
كتب: نور البطاوي لمجلة تفكير
في أمسية فكرية حية نظمها صالون “تفكير” ضمن موسمه الثقافي “قرن على كتاب في الشعر الجاهلي”، أبحرت الندوة الحادية عشرة في أعماق العقل العربي وتحديات الحداثة، مستحضرةً سيرة ومسيرة عميد الأدب العربي طه حسين، وتحديداً كتابه المثير للجدل “في الشعر الجاهلي”. أدار الندوة الأستاذ أحمد خفاجي، واستضاف فيها الدكتور محمد دوير، المتخصص في فلسفة العلم ونظرية المعرفة، والذي قدم رؤية بانورامية تجاوزت مجرد القراءة النصية للكتاب لتصل إلى تشريح البنية العقلية والسياسية لمصر في الربع الأول من القرن العشرين.
بقلم: نور البطاوي

طه حسين: المجيب على أسئلة النهضة المركزية
استهل الدكتور محمد دوير حديثه بالتأكيد على أن دراسة طه حسين ليست نكوصاً للماضي أو هروباً من الحاضر، فالأفكار الكبرى لا تموت بالتقادم. ويرى دوير أن قيمة طه حسين تتفرد في كونه استطاع الإجابة على سؤالين مركزيين واجها النهضة المصرية والعربية: الأول متعلق بالموقف من التراث وتمثل في “الشعر الجاهلي”، والثاني متعلق بالموقف من المستقبل وتمثل في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”. وبذلك اكتمل لديه الجدل بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.
جذور الصراع: من عباءة محمد عبده إلى انفجار 1926
لم تكن أزمة كتاب “في الشعر الجاهلي” عام 1926 وليدة الصدفة، بل كانت حلقة في صراع طويل بين القديم والجديد ممتد لأكثر من خمسين عاماً. أرجع دوير جذور هذا الصراع إلى مدرسة الإمام محمد عبده التي انقسمت إلى تيارين:
- التيار المدني: (لطفي السيد، قاسم أمين، منصور فهمي) الذي رأى الحداثة طريقاً وحيداً للمستقبل مع احترام التراث.
- التيار الديني: (رشيد رضا، مصطفى المراغي) الذي تمسك بالتراث كمرجعية وحيدة.
هذا الاستقطاب مهد الطريق للحظة الانفجار في عام 1926، والتي وصفها دوير بأنها كانت لحظة “انفجار سقف”، مما يفسر عنف رد الفعل الذي واجهه طه حسين.

طبقات العقل الحسيني: كيف تشكل العميد؟
حلل الدكتور دوير بنية عقل طه حسين من خلال ست طبقات أساسية شكلت هويته الفكرية:
- الطفولة: حيث تعلم الشك والتمرد وأدرك معنى التهميش وفقد البصر.
- الأزهر: ورغم نقده له، إلا أنه اكتسب فيه حاسة تذوق اللغة ونظرية المعرفة الإسلامية، خاصة على يد الشيخ سيد المرصفي.
- الجامعة الأهلية: التي منحته المنهج التاريخي القائم على التحليل النقدي.
- البعثة الفرنسية: حيث تعمق في فلسفة ديكارت والمنهج الوثائقي الذي لا يعتمد على التواتر بل على الدليل.
- الصحافة: التي أكسبته القدرة على ملامسة حس الجماهير.
- المؤلفات والترجمات: التي سبقت عام 1926 وصقلت رؤيته الشاملة لثقافتي الشرق والغرب.
المنهج: ديكارت والشك الوظيفي
أثارت قضية “المنهج” نقاشاً واسعاً خلال الندوة، حيث أشار الدكتور دوير إلى أن طه حسين استخدم “منهج الشك” الديكارتي كأداة لتحرير العقل من اليقينيات المسبقة أثناء دراسة النص. ومع ذلك، يرى دوير أن طه حسين ربما استدعى ديكارت كـ “قشة” يتمسك بها وسط العاصفة، بينما كان كتابه يعج بمناهج أخرى كالتاريخي والمقارن والتحليلي.
لقد أراد طه حسين تنقية التراث، وهو موقف لم يكن سلبياً، بل كان يرى أن الأدب العربي في قرونه الثلاثة الأولى لا يضاهيه سوى الأدب الأثيني. لكنه صدم العقل الجمعي حين دعا إلى تجريد الباحث من عقيدته وميوله عند دراسة النص التراثي.
كواليس الأزمة: تداخل السياسي بالديني
كشفت الندوة عن خفايا سياسية كانت المحرك الحقيقي وراء ملاحقة طه حسين. فقد تلاقت مصالح ثلاثة أطراف ضد العميد:
- الأزهر: الذي رأى في الجامعة الأهلية منافساً يسحب البساط من تحت قدميه.
- حزب الوفد: الذي دخل في صراع سياسي مع “الأحرار الدستوريين” (حلفاء طه حسين)، فاستخدم الكتاب ورقة للضغط لإسقاط الحكومة.
- القصر الملكي: حيث كان الملك فؤاد يطمح للخلافة، وأزعجه فكر طه حسين وصديقه علي عبد الرازق الذي شكك في الأسس الشرعية للخلافة.
أوضح دوير أن طه حسين لم يُبرأ “عبقرية” من القضاء، بل لأن إدانته كانت ستعني مخالفة الدستور الذي يكفل حرية الاعتقاد والتعبير. ومع ذلك، تعرض العميد لضغوط هائلة دفعت به لكتابة خطابات اعتذار وتأكيد على إيمانه لتهدئة العاصفة.
إرث المنهج لا المشروع
انتهت الندوة بتأكيد عميق على أن طه حسين لم يترك “مشروعاً” مكتملاً بقدر ما ترك “منهجاً” عقلانياً نقدياً. ورغم كل ما تعرض له من هجوم، يظل العميد هو الأب الشرعي للنقد الحديث؛ فكل من جاء بعده في عالم البحث والمنهج هو بشكل أو بآخر “ابن لطه حسين”.
لقد كانت هذه الندوة في صالون “تفكير” أكثر من مجرد قراءة تاريخية؛ لقد كانت دعوة لإعادة إعمال العقل في تراثنا وحاضرنا، تماماً كما فعل طه حسين قبل قرن من الزمان.
لمشاهدة ندوات موسم المحاضرات حول كتاب في الشعر الجاهلي كلها اضغط هنا
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة علي راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اظغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد