كلاب الشارع.. قانون الأسرة.. فيلم “برشامة”… بقلم: محمود أرسلان
محمود أرسلان

كلاب الشارع
كلاب الشارع مشكلة بيولوجية طبيعية وليست معركة تصفية بين أمتين، فمن قِلة العقل ودناءته أن يكره المرء أسداً لافتراسه إنساناً، فتلك طبيعة الأسد الغريزية الخالية من وعي أخلاقي (وحط تحت وعي أخلاقي خطوط علشان ميجيش واحد ديوث يبرر للمتحرش بحجة أنها غريزة، فلو ارتضى أن يُشبه المتحرش بحيوان بلا وعي إذن سنعامله كحيوان ونعقمه ونقص بلبوله إن لزم الأمر).
نعود للكلاب؛ إن انتشارها وغلبة غرائزها على الناس يُعالجان بأكثر الطرق رحمة، فالأمر ليس شخصياً. وإن أحقر ما يجري هو توظيف موضع الكلاب في الشرع من خلاف حول نجاسة سؤرها لخلق حالة كراهية عامة واستحقار لمخلوق خلقه الله، فمن استحقر خَلقاً فكأنما استحقر صُنع الله. فطبيعة الكلب مثله مثل طبيعة دمائنا المختلف في نجاستها التعبدية؛ فالنجاسة ليست منقصة. وإن نزع الرحمة من قلوب العباد تجاه الكلاب وغيرها، نحن نجني آثاره البغيضة من عنف أسري لم نعهده في الأزمان السابقة القريبة.
قانون الأسرة
قانون الأسرة لا قيمة له في ظل كراهية تُصنَّع وتُشرعن وتُؤطَّر لخدمة أهداف صالحة كانت أم فاسدة. فمجتمعنا قد تدخّل حتى في الحميمية وأطّرها إلى مرحلة أصبحت بعض العقول تتساءل عن مشروعية ركوب المرأة الرجل في الفراش. فإذا كان هذا هو حال العقل الضحل الذي خلق تراتبية حتى في أخص اللحظات بين الزوجين، فهل تُقوِّمه بنود حبرية على ورق؟ بلِّه واشرب ميته يا حبي.
إن علاج السرطان الذي أصاب الأسرة المصرية لا صلاح له إلا بترسيخ مبادئ الرحمة والقيم الإنسانية العليا التي نادت إليها الصورة العامة للشرع، ومن ثم فتح باب الاجتهاد المبني على جعل الأولوية لمصلحة الإنسان. فمن غرائب ما سمعت أن النص فوق الإنسان والدولة. وهو كلام، على وجاهته الأولية من جهة أن كلام الله يعلو ولا يُعلى عليه، فاسد المقصد؛ فلو النص هو كلام الله فالإنسان هو صُنع الله أيضاً. والله يريد بنا اليُسر وتعبيد العالم لخلق حياة طيبة لنا. فإذا صار النص في تصوراته لا يحقق غاية الحياة الطيبة، أو صار عاجزاً عن إنقاذ الناس، فالعيب في فهمنا للنص، وعجزنا عن خلق محاضن بيئية توفق بين مقاصد الشرع ومصالح الفرد.
فيلم “برشامة”
فيلم “برشامة” كوميديا مؤطرة لضرب صورة المتدين بكل صوره، سواء أكان صالحاً متنوراً أو فاسداً متشدداً. ولإسقاط المتدين، صار الدين ذاته بنصوصه ومقاصده مثاراً للسخرية. ورغم فساد تلك الصورة، لكنها أظهرت حقيقة المجتمع المستخِف في تعامله مع مقاصد النص. فلو استُخِف بالشرع في الفيلم لفظاً، فالدين مُستخف به عملياً في كل جوانب الحياة، وصرنا نعالج أزماتنا باسم الدين بأبعد صورة عن الدين.
إن أكبر عملية استهزاء بالدين هي تضييعه وتحريفه من قِبل مدّعي التدين؛ لأن العاهرة لو حرّفت الدين لن يُقبل منها، لكن تحريف المُعمَّم صاحب السَّمت أشد وطأة على الناس. بدع وفرق ظهرت منذ مئات السنين، وما زالت تنهش في الوعي الإنساني. لا تحدثني عن توظيف الدين لأجل الكوميديا، بل حدثني عن توظيف الدين لأجل السياسة والهوى والأجندات الخارجية، التي تُخرج الناس من الدين باسم الدين.
إن الدين بريء من تلك المهزلة الحياتية، وفيه -أي الدين- كل الحلول، إن كانت مصلحة الإنسان هي الغاية. فالله في غنى عن تطبيقاتنا للشرع إن لم تخدم مصالح المخلوق الذي سُخر له الوجود، وحُقَّ له ذلك، ففيه نفخة الرب الخالق. الله الله في الإنسان؛ وديعة الرحمن.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد