«طب… وهوه فين الفقيه؟!»… مآلات نظرية “ولاية الفقيه”… بقلم: أشرف قنديل
بقلم: أشرف قنديل

تراكم الغيبات داخل البنية العقائدية والسياسية للنظرية!
بحسب التراث الإمامي الاثنى عشري، بدأت القصة باختفاء الإمام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري (ولد في 15 شعبان 255 هـ) وهو في الخامسة من عمره فيما يُعرف بالغيبة الصغرى في سنة 260 هـ في سردابه بسامراء، ومن ثم بدأت الغيبة الكبرى للإمام المهدي بوفاة سفيره الرابع للأمة علي بن محمد السمري سنة 329 هـ (941م). لقد جرى اختراع نظام “النيابة” لسد فراغ غيبة الإمام اختراعاً… نواب خاصون في الغيبة الصغرى، ثم نواب عامون من الفقهاء في الغيبة الكبرى.
وللسخرية يمكن القول إن “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” نجحت -ربما بعبقرية مؤسساتها ومرونتها- في تطوير نظرية ولاية الفقيه إلى مرحلة أكثر حداثة وهي غيبة الولي الفقيه نفسه، وظهور نوابه الجدد… لا من فقهاء قم والنجف، بل من جنرالات الحرس الثوري!
فبعد أن كان الفقيه نائبًا عن الإمام الغائب، أصبح العسكري نائبًا عن الفقيه الغائب، ولربما نحتاج قريبًا إلى نظرية كلامية جديدة تشرح وتنظر لشرعية الحكم الجديد ربما لمن ينوب عن العسكري إذا غاب هو الآخر؟!
الفراغ يولّد الوكالة
نشأت فكرة النيابة أصلًا بعد غيبة الإمام عند الإمامية وظهور الحاجة لوسطاء، ثم تطورت الفكرة بشكل نظري إلى “نيابة عامة” على يد الفقيه أحمد بن محمد النراقي (1185 هـ /1771 م – 1245هـ/1828م) الذي قال إن الفقيه له “ولاية عامة” في كل ما كان للإمام فيه ولاية (نظريًا)، حتى جاء روح الله الخميني ليحوّلها من سلطة دينية محدودة إلى سلطة سياسية مطلقة تحت اسم “ولاية الفقيه”، حيث نظر للفكرة في أحد أشهر الكتب السياسية في الفكر الشيعي المعاصر وهو كتابه “الحكومة الإسلامية”، الذي ألفه روح الله الخميني قبل الثورة الإيرانية، وكان له تأثير كبير في تشكيل النظام السياسي في إيران بعد الثورة، ومن ثم طبقها سياسياً بعد نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979م، وذلك رغم المعارضة الشديدة التي واجهتها النظرية من أغلب كبار رجال الحوزات العلمية سواء خارج إيران وحتى داخلها!
لكن للمفارقة فإن النظرية التي بدأت بحل مشكلة “غياب الإمام” انتهت بصناعة غياب جديد، وهي غياب الفقيه نفسه!
من الفقيه إلى المؤسسة الأمنية
من هنا تبدأ المفارقة، فنظريًا الشعب يطيع الولي الفقيه، الولي الفقيه نائب عن الإمام المعصوم. لكن عمليًا الحرس الثوري هو من يحدد المجال السياسي وهو من يدير الاقتصاد والإعلام والأمن، وهو الضامن الفعلي لاستمرار النظام، وبالتالي صار “التمثيل الحقيقي” للسلطة بيد العسكر لا الفقهاء.
في النسخة الكلاسيكية من المذهب، كان الناس ينتظرون توقيعًا يخرج من السفير الرابع. أما في النسخة الإيرانية الحديثة، فالناس تنتظر بيانًا من الحرس الثوري ليعرفوا أين يقف الولي الفقيه أصلًا. فكيف أصبح الحرس الثوري نائبًا عن نائب الإمام الغائب؟!
“الغيبة الصغرى” الجديدة
مجتبى خامنئي … الولي الفقيه تحت التأسيس
يقال إن الغيبة الصغرى انتهت سنة 329 هـ، لكن يبدو أنها عادت بنسخة مطورة في طهران. شخصية نافذة، حضورها مؤثر، سلطتها واسعة، لكن ظهورها الرسمي مؤجل… حتى إشعار آخر. الفرق الوحيد أن سفراء الغيبة الجدد لا يرتدون العمائم فقط، بل يحملون أيضًا الرتب العسكرية.
التناقض الفلسفي داخل النظرية
إذا كانت ولاية الفقيه تقوم على أن الفقيه الأعلم هو الأقدر على قيادة الأمة نيابة عن الإمام الغائب، فكيف تصبح السلطة الفعلية في يد أجهزة أمنية، وشبكات اقتصادية، ومؤسسات عسكرية؟
هنا تكمن المفارقة. لقد انتهت النظرية التي بدأت بتقديس “الفقه” إلى دولة يحرسها السلاح أكثر مما يحكمها الاجتهاد. وهكذا تثبت التجربة الإيرانية أن السلطة -مثل الطبيعة- تكره الفراغ، لكنها أيضًا لا تحب كثيرًا أن تتركه للفقهاء، فهي أهم وأخطر من أن تُترك لهم!
ربما كان السؤال السياسي الأهم في إيران اليوم ليس: من هو الولي الفقيه القادم؟!
بل: هل بقي أصلًا شيء اسمه ولاية الفقيه… أم أننا دخلنا عصر ولاية الحرس؟!
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد