أصداء الظل الليلكي… ميّ عطّاف ترسم ملامح السوري “الذي لم يعد مكتملاً”… في صالون تفكير… مع إيمان رفاعي

في أمسية استثنائية احتضنها صالون “تفكير” الثقافي، وضمن موسم ندوات “كاتب وكتاب”، أبحرت الكاتبة والقاصة السورية مي عطاف بالحضور في عوالم روايتها الأحدث “سعيد وظله الليلكي”، الصادرة حديثاً عن دار “التكوين”. أدارت الندوة ببراعة واقتدار الأستاذة إيمان رفاعي، التي وصفت نفسها بـ “المستكشف الفضولي” في ظل حداثة صدور العمل الذي لم يتسنَّ للكثيرين قراءته بعد، لتفتح شهية الحاضرين نحو الغوص في تفاصيل النص السردي السوري المفعم بالألم والأمل في آن واحد.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 أصداء الظل الليلكي... ميّ عطّاف ترسم ملامح السوري "الذي لم يعد مكتملاً"... في صالون تفكير... مع إيمان رفاعي

عتبة النص: تابوت على طاولة الحوار

بدأت الندوة بوقفة تأملية عند غلاف الرواية، الذي وصفته إيمان رفاعي بأنه “لافت ويثير الحزن”. وأوضحت مي عطاف أن اختيار الغلاف لم يكن عفوياً؛ فهو يصور ما يشبه التابوت الممدد فوق طاولة، تحيط به كراسي مبعثرة. هذا المشهد يختزل المأساة السورية؛ فالتابوت هو دلالة على “السوري الذي لم يعد مكتملاً”، سواء جسدياً أو نفسياً، بفعل سنوات الحرب الطويلة. وأضافت عطاف بمرارة: “السوريون لم يعد لديهم أجساد كاملة، ولا حتى نفسيات سليمة”. أما الطاولة والكراسي، فهي ترمز إلى “طاولة الحوار” أو السرديات المتعددة والمتضاربة التي تقاسمت الجسد السوري وكأنها تتقاسم تركة ميت.

المفارقة في العنوان: من هو البطل؟

طرح العنوان “سعيد وظله الليلكي” تساؤلاً جوهرياً حول هوية البطل، خاصة مع ظهور اسم شخصية تدعى “رحاب” في المقتطفات الخلفية للكتاب. كشفت الكاتبة عن مفارقة سردية؛ فـ “سعيد” رغم تصدره العنوان، هو البطل الثاني والراوي، بينما المحرك الأساسي للأحداث هي “رحاب”.

الغلاف-الكامل-سعيد-وظله-الليلكي-1024x748 أصداء الظل الليلكي... ميّ عطّاف ترسم ملامح السوري "الذي لم يعد مكتملاً"... في صالون تفكير... مع إيمان رفاعي

وعن سر “الليلَكي”، أوضحت عطاف أن الظل عادة ما يكون أسود، لكنه هنا “ليلكي” ليعبر عن لون الحزن الشفيف أو الأحلام الباهتة التي لم تصل إلى حد العدمية المطلقة. وقالت: “الرواية هي مجموعة من البشر الذين تحولوا بفعل الحرب إلى مجرد ظلال.. ظلال غير فاعلة كما ينبغي”.

الشرارة والذاكرة: خمسون عاماً من التراكم

عند سؤالها عن الدافع وراء كتابة هذا العمل، أكدت مي عطاف أن الكاتب يكتب عبر نمطين؛ التراكم والشرارة. “سعيد وظله الليلكي” كانت نتيجة تراكمات دامت خمسين عاماً، هي عمرها الذي تشربت فيه الواقع السياسي والاقتصادي السوري. أما “الشرارة” التي فجرت هذا المخزون، فكانت جملة بسيطة قالتها إحدى صديقاتها في اتصال هاتفي، جملة تشبه قصة “رحاب”، فجعلت الأحداث المخزنة تنهمر على الورق عام 2022.

المرأة والمجتمع: رصد السقوط وما بعده

تتحرك الرواية في ثلاثة محاور أساسية: المرأة السورية وحملها الثقيل، المجتمع السوري بمكوناته المختلفة، والوضع الاقتصادي وتأثيره على كرامة الإنسان.

ركزت عطاف على ما أسمته “ما بعد السقوط”، واصفةً كيف اكتشف السوريون أنهم يجهلون بعضهم البعض، وكيف تعددت السرديات حتى أصبح لكل فرد “سرديته الخاصة” التي يراها هي الحقيقة المطلقة.

توقفت الكاتبة عند تفاصيل مؤلمة تمس الكرامة، مثل سؤال أحدهم لها ببراءة موجعة: “هل تأكلون الموز في سوريا؟”. هذه التفاصيل الصغيرة كانت بالنسبة لها أشد إيلاماً من القذائف، لأنها تمس صلب الوجود الإنساني وكبريائه.

لغة السرد: بين شاعرية المؤلف وجفاف الراوي

خلال الندوة، قرأت عطاف مقاطع من الرواية اتسمت بلغة شعرية مكثفة ومشاهد سينمائية متسارعة. وحول هذا الإيقاع، أوضحت أنها تميل للجملة الإيقاعية الموسيقية حتى في وصف الحرب. ومع ذلك، فقد تعمدت خلق تضاد لغوي داخل العمل؛ فبينما يتحدث “الراوي” بلغة شعرية، يبرز صوت “سعيد” الذي يكره القراءة والكتابة، فجاءت لغته جافة وتقريرية، تعكس واقعه غير الأدبي. وقالت عطاف: “السياسي والشاعري لا يلتقيان حكماً، لذا كان لا بد من لغة جافة في بعض المواضع لتناسب جفاء الواقع”.

الصدام مع الواقع: حوارات معمقة

فتحت الندوة باب النقاش لجمهور صالون “تفكير”، حيث أثار أحمد خفاجي سؤالاً حول مدى تزييف الرواية للواقع السوري. فأجابت عطاف بثقة: “أعدك أنك ستقرأ الواقع السوري كما هو دون تزييف، بكل سردياته المتناقضة والصادقة في آن واحد”.

أما د. وليد الخشاب، فقد لمس “الوتر الحساس” بسؤاله عن الهوية السورية وما تبقى منها بعد الحرب. وردت عطاف بأسى موضحة كيف تغير السوريون؛ فبعد أن كانت تمشي في شوارع اللاذقية قديماً دون خوف، أصبحت اليوم تشعر بالحاجة لأداة حماية في حقيبتها. وأشارت إلى انقسام مفهوم “الحرية” بين السوريين؛ فبينما يراها البعض في الدولة المدنية، يراها آخرون في مفاهيم إقصائية أو منغلقة.

من جانبه، طرح الأستاذ جمال رؤية نقدية وفلسفية، معتبراً أن فعل الكتابة عند مي عطاف هو “فعل مواجهة وإعادة تشكيل للعالم القبيح”. وأكد أن دور المبدع هو استعادة “السوري الجميل” من خلال النص، حتى لو لم يعد موجوداً في الواقع بنفس صورته القديمة.

الكتابة كفعل تطهير وعلاج

في ختام الأمسية، تحدثت عطاف عن طقوسها في الكتابة، مؤكدة أنها تعتبرها “نوعاً من العلاج النفسي”. فهي تلتزم بمثابرة تشبه مثابرة نجيب محفوظ، حيث تستيقظ في الرابعة فجراً يومياً لتكتب مذكراتها أو أحلامها أو نصوصها، حتى لو لم يكن في بالها مشروع محدد. واعترفت بأنها رغم نشرها لعدة أعمال، لا تزال تشعر بـ “رهبة النشر” وتوتر مواجهة القارئ، لأن الكتابة هي تعرية للمكنون الداخلي أمام الآخرين.

انتهت الندوة بكلمات مفعمة بالود المشترك بين مصر وسوريا، حيث استذكرت عطاف صورة جمال عبد الناصر التي كانت تتصدر بيت جدها، مؤكدة أن “الكلمة الطيبة” من الأصدقاء في مصر هي ما يمنح المبدع السوري دافعاً للاستمرار والمقاومة ذهنياً وإبداعياً.

خرج الحضور من الصالون وهم يحملون في مخيلتهم هذا “الظل الليلكي”، مدركين أن الأدب، كما قالت عطاف، قد لا يحقق الشفاء الكامل، لكنه يظل النافذة الوحيدة للتنفس في واقع يخنق الجمال.

للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات