يَوْمُ الاخْتِبَارِ -قصة- تأليف: هنري سليسار .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

طبيب وشاعر وملحن.

d8a7d986d8b7d988d986d98ad988d8b3-d986d8a8d98ad984-d8b4d8a7d8b9d8b1-d988d985d984d8add986 يَوْمُ الاخْتِبَارِ -قصة- تأليف: هنري سليسار .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

لَمْ يَنْبِسْ آلُ چوردن بِبِنْتِ شَفَةٍ عَنِ الاخْتِبَارِ قَطُّ، حَتَّى بَلَغَ ابنُهُمَا دِيكِي الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ. كَانَتْ المَرَّةُ الأُولَى التي تَذْكُرُ فِيهَا السَّيِّدَةُ چوردن أَمْرَ الاخْتِبَارِ فِي حُضُورِ ابنِهَا، فِي عِيدِ مِيَلَادِهِ. كَانَتْ نَبْرَةُ صَوْتِهَا المُفْعَمَةُ بالقَلَقِ هِيَ مَا حَضَّ زَوْجَهَا عَلَى مُقَاطَعَتِهَا بِحِدَّةٍ قَائِلًا: “لَا تَغْتَمِّي؛ سَيَجْتَازُ الاختبارَ بِنَجَاحٍ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ.” كَانُوا جَالِسِينَ إلى طَاوِلَةِ الفَطُورِ. رَفَعَ الصَّبِيُّ عَيْنَيْهِ عَنْ طَبَقِهِ وَقَدْ اِنْتَابَهُ الفُضُولُ. كَانَ دِيكِي ذا عَيْنَيْنِ يَقِظَتَيْنِ وَشَعْرٍ أَشْقَرَ سَبْطٍ، وكَانَ سُلُوكُهُ مُتَّسِمًا بالعَجَلَةِ والتَّوَتُّرِ. لَمْ يَكُنْ يُدْرِكُ البَاعِثَ عَلَى هذا الاضْطِرَابِ المُبَاغِتِ الذي أَلَمَّ بِوَالِدَيْهِ، لَكِنَّهُ كَانَ يُدْرِكُ تَمَامَ الإدْرَاكِ أَنَّ اليَوْمَ هُوَ عِيدُ مِيَلَادِهِ، وَكَانَتِ السَّكِينَةُ والوِئَامُ أَشَدَّ مَا يَتُوقُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَهَذَا. فِي مَوْضِعٍ مَا مِنَ الشَّقَّةِ الصَّغِيرَةِ كَانَتْ هُنَاكَ طُرُودٌ مُغَلَّفَةٌ ومُزَيَّنَةٌ بالشَّرَائِطِ المُلَوَّنَةِ تَنْتَظِرُ مَنْ يَفْتَحُهَا ويَكْشِفُ عَمَّا بِدَاخِلِهَا مِنْ هَدِيَّاتٍ مَخْبُوءَاتٍ، وَفِي المَطْبَخِ -البَالغِ الضَّآلةِ والذي لَا يَحْتَلُّ إلَّا حَائِطًا مِنَ الغُرْفَةِ الضَّيِّقَةِ- كَانَ هُنَاكَ شَيءٌ لَذِيذٌ وَدَافِئٌ يُعَدُّ فِي المَوْقِدِ الآليّ. كَانَ يَوَدُّ أَنْ يَكُونَ اليَوْمُ مُتْرَعًا بالسَّعَادَةِ، لَكِنَّ عَيْنَي أُمِّهِ المُخْضَلَّتَيْنِ بالدُّمُوعِ وَوَجْهَ أَبِيهِ المُكْفَهِرَّ كَدَّرَا حَالَةَ التَّرَقُّبِ التي اسْتَقْبَلَ بِهَا الصَّبَاحَ بِقَلْبٍ يُرَفْرِفُ أَمَلًا. سَأَلَ الصَّبِيُّ: “أَيُّ اخْتِبَارٍ؟” أَجَابَتْهُ أُمُّهُ وعَيْنَاهَا يُحَمْلِقَانِ إِلَى سِمَاطِ الطَّاولةِ: “إنَّهُ مُجَرَّدُ اخْتِبَارِ ذَكاءٍ تُجْرِيهِ الحُكُومَةُ للأَطْفَالِ حَالَمَا يَبْلُغُونَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ العُمْرِ. سَتَخْضَعُ للاخْتِبَارِ الأسبوعَ القَادِمَ. لَيْسَ فِي الأَمْرِ مَا يَدْعُوكَ للقَلَقِ.” “أَتَعْنِينَ اخْتِبَارًا كَاخْتِبَارِ المَدْرَسَةِ؟” أَجَابَهُ أَبُوهُ وَهُوَ يَهُمُّ بِمُغَادَرَةِ الطَّاوِلَةِ: “أَشْبَهُ مَا يَكُونُ بِهِ. اِنْهَضْ الآنَ يا ديكي وَاذْهَبْ لِقِرَاءَةِ قِصَصِكَ المُصَوَّرَةِ.”

نَهَضَ الصَّبِيُّ وَتَوَجَّهَ فِي تَرَدُّدٍ نَحْوَ ذَلِكَ الجَانِبِ مِنْ غُرْفَةِ المَعِيشَةِ الذي ظَلَّ رُكْنَهُ المُفَضَّلَ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ. اِلْتَمَسَ قِصَةً مُصَوَّرَةً مِنْ أَعْلَى كَوْمَةِ القِصَصِ وأَخَذَ يُقَلِّبُ صَفَحَاتِهَا بأَصَابِعٍ شَارِدَةٍ، غَيْرَ مُكْتَرِثٍ لِمَا يَدُورُ فِي مُرَبَّعَاتِهَا المُلَوَّنَةِ مِنْ أَحْدَاثٍ شَائِقَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ. اِتَّجَهَ نَحْوَ النَّافِذَةِ، وَبِعَيْنَيْنِ كَاسِفَتَيْنِ حَدَّقَ إِلَى مَا أُسْدِلَ عَلَى زُجَاجِهَا مِنْ سِتْرٍ حِيكَ مِنَ الضَّبَابِ ثُمَّ قَالَ بَصَوْتٍ أَسِيفٍ: “لِمَ أَعْجَلَتِ السَّمَاءُ بِالْمَطَرِ، أَمَا كَانَ بِإمْكَانِهَا أَنْ تُمْطِرَ غَدًا؟” أجَابَهُ أَبُوهُ وَقَدْ ارْتَمَى عَلَى كُرْسِيٍّ ذِي ذِرَاعَيْنِ مُقَلِّبًا صَفَحَاتِ الجَرِيدَةِ الرَّسْمِيَّةِ التي تَشْي خَشْخَشَتُهَا الصَّاخِبَةُ بِمَا يَعْتَمِلُ فِي صَدْرِهِ مِنْ ضِيقٍ: “إنَّهَا أَمْطَرَتْ كَمَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُمْطِرَ، هَذَا كُلُّ مَا فِي الأَمْرِ. المَطَرُ يَجْعَلُ العُشْبَ يَنْمُو.” “لِمَ يَا أَبِي؟” “لَأَنَّ الأَمْرَ كَذَلِكَ، هَذَا دَيْدَنُ المَطَرِ.” قَطَّبَ الصَّبِيُّ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُتَسَائِلًا: “لَكِنْ مَا الذي يَجْعَلُهُ أَخْضَرَ؟ هَلِ العُشْبُ؟” زَجَرَهُ أَبُوهُ قَائِلًا: “لَا أَحَدَ يَعْلَمُ.” فَنَدَمَ مِنْ فَوْرِهِ عَلَى غِلْظَتِهِ مَعَ ابْنِهِ. فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ مِنَ النَهَارِ، حَانَ الاحْتِفَالَ بِعِيدِ مِيَلادِهِ. كَانَتْ أُمُّهُ تَبْسُمُ بَسْمَةً مُشْرِقَةً وَهِيَ تُسَلِّمُهُ الهَدَايَا ذَاتَ الأَلْوَانِ البَرَّاقَةِ، وَاسْتَطَاعَ أَبُوهُ أَنْ يُكْرِهَ شَفَتَيْهِ عَلَى الابْتِسَامِ وَأَنْ يُمَسِّدَ شَعْرَ ابنِهِ تَمْسِيدًا خَاطِفًا. قَبَّلَ دِيكي أُمَّهُ وَصَافَحَ أَباهُ بِهَيْئَةٍ تَنْضَحُ وَقَارًا. ثُمَّ أَحْضَرَتْ أُمُّهُ كَعْكَةَ عِيدِ المِيَلادِ، لِيَنْتَهِيَ الاحْتِفَالُ المُقْتَضَبُ. بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ خِتَامِ الاحْتِفَالِ، كَانَ دِيكي جَالِسًا قُرْبَ النَّافِذَةِ يُرَاقِبُ الشَّمْسَ وَهِيَ تَشُقُّ لَهَا سَبِيلًا بَيْنَ المُزْنِ الصَّفِيقَةِ، حِينَ قَالَ مُتَسَائِلًا: “أَبِي، كَمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّمْسِ؟” أَجَابَهُ أَبُوهُ: “خَمْسَةُ آلافِ مِيلٍ.”

جَلَسَ ديكي إِلَى طَاوِلَةِ الفَطُورِ وَرَأَى عَيْنَي أُمِّهِ مُخْضَلَّتَيْنِ بالدُّمُوعِ مُجَدَّدًا. لَمْ يَفْطِنْ لِمَا بَيْنَ دُمُوعِهَا والاخْتِبَارِ مِنْ صِلَةٍ، حَتَّى أَعَادَ أَبُوهُ طَرْحَ الأَمْرِ بَغْتَةً وقَدِ اسْتَبَدَّ التَّجَهُّمُ بِوَجْهِهِ الصَّارِمِ: “حَسَنًا يا دِيكي، لَدِيكَ مَوْعِدٌ اليَوْمَ.” “أَعْلمُ هَذَا يا أَبِي. وآمَلُ أَنْ-” “لَا دَاعِيَ للقَلَقِ يا ديكي، إنَّ آلَافًا مِنَ الأَطْفَالِ يَخْضَعُونَ لِهَذَا الاخْتِبارِ يَوْمِيًّا. تَوَدُّ الحُكُومَةُ أَنْ تَعْرِفَ دَرَجَةَ ذَكَائِكَ فَحَسْبُ.” قَالَ الصَّبِيُّ بِنَبْرَةٍ غاصَّةٌ بالتَّرَدُّدِ: “لَكِنِّي أَحْصُلُ عَلَى دَرَجَاتٍ جَيِّدَةٍ فِي المَدْرَسَةِ.” “هذا الاخْتِبَارُ مُخْتَلِفٌ. إنَّهُ- نَوْعٌ خَاصٌّ مِنَ الاخْتِبَاراتِ: يُقَدِّمُونَ لَكَ شَرَابًا لِتَتَجَرَّعَهُ، ثُمَّ تَدْخُلُ غُرْفَةً فِيهَا آلةٌ مَا-” قَالَ ديكي: “مَا هَذَا الشَّرَابُ؟” “لَا شَيءَ. طَعْمُهُ يُشْبِهُ النَّعْنَاعَ. إنَّهُ فَقَط ليَتَأَكَّدُوا مِنْ أَنَّكَ تُجِيبُ عَنْ أَسْئِلَتِهِمْ بِصِدْقٍ، لَيْسَ لأَنَّ الحُكُومَةَ يُسَاوِرُهَا الشَّكُّ فِي أَنَّكَ سَتَكْذِبُ، بَلْ طَلَبًا لِلْيَقِينِ فَحَسْبُ.” تَبَدَّتْ عَلَى وَجْهِ ديكي حَيْرَةٌ عَارِمَةٌ مَشُوبَةٌ بِقَلِيلٍ مِنَ الخَوْفِ. نَظَرَ إِلَى أُمِّهِ، فَبَسَمَتْ لَهُ بَسْمَةً جَهِيضَةً، وقَالَتْ: “كُلُّ شَيءٍ سَيَكُونُ عَلَى مَا يُرَامُ.” قَالَ أَبُوهُ مُؤَكِّدًا مَا قَالَتْهُ الأُمُّ: “بلَا شَكٍّ، كُلُّ شَيءٍ سَيَكُونُ عَلَى مَا يُرَامُ ، إنَّكَ وَلَدٌ نَبِيهٌ وَمُطِيعٌ يا ديكي: سَتَجْتَازُ الاخْتِبَارَ بِنَجَاحٍ، ثُمَّ نَعُودُ إِلَى البَيْتِ لِنَحْتَفِلَ مَعًا. هَلِ اتَّفَقْنَا؟” قَالَ ديكي: “نَعَمْ يَا سَيِّدِي.”

دَخَلَ الأَبُ والابنُ مَبْنَى التَّعْلِيمِ الحُكُومِيّ قَبْلَ السَّاعَةِ المُحَدَّدَةِ لِلْمَوْعِدِ بِخَمْسِ عَشْرِةِ دَقِيقةٍ. عَبَرَا الأَرْضِيَّةَ المَكْسُوَّةَ بالرُّخَامِ لِلْبَهْوِ الفَسِيحِ ذِي الأَعْمِدَةِ الشَّاهِقَةِ، ثُمَّ اِجْتَازَا المَمَرَّ المُقَنْطَرَ وَوَلَجَا مِصْعَدًا الآليًّا بَلَّغَهُمَا الطَّابِقَ الرَّابِعَ. كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَرْتَدِي سُتْرَةً خَالِيَةً مِنْ أَيّ شِعَارٍ حُكُومِيٍّ أَوْ رُتْبَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ، جَالِسًا إِلَى مَكْتَبٍ قَشِيبٍ أَمَامَ الغُرْفَةِ 404 يَحْمِلُ فِي يَدِهِ اَوْحًا، أَخَذَ يُرَاجِعُ القَائِمَةَ المَسْطُورَةَ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ حَرْفَ الجِيمِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمَا بالدُّخُولِ.

كَانَتْ الغُرْفَةُ 404 قَاسِيَةَ البُرُودَةِ وشَدِيدَةَ الرَّسْمِيَّةِ أَشْبَهَ بِقَاعَةِ مَحْكَمَةٍ، تَضُمُّ مَقَاعِدَ مَدِيدَةٍ تُحِيقُ بِطَاوِلَاتٍ مَعْدِنِيَّةٍ، وَتَغْصُّ بِعَدِيدٍ مِنَ الآباءِ والأَبْنَاءِ قَدْ حَضَرُوا قَبْلَهُمَا، وَكَانَ بِهَا امْرَأَةٌ ذاتُ شِفَاهٍ رَهِيفَةٍ وَشَعْرٍ فَاحِمٍ قَصِيرٍ تُوَزِّعُ أَوْرَاقًا عَلَى الحَاضِرِينَ. مَلَأَ السَّيِّدُ چوردن الاسْتِمَارَةَ وَأَعَادَهَا إِلَى المُوَظَّفَةِ ثُمَّ قَالَ لِدِيكِي: “لَنْ يَطُولَ انْتِظَارُنَا. حَالَمَا يُنَادُونَ اسْمَكَ، مَا عَلَيْكَ إلَّا اجْتِيَازُ البَابَ الذي فِي نِهَايَةِ الغُرْفَةِ.” وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى مَدْخَلِ البَابِ. اِنْبَعَثَ طَقْطَقَةً مِنْ مُكَبِّرِ صَوْتٍ خَفِيٍّ أَعْقَبَهَا نِدَاءٌ عَلَى الاسمِ الأَوَّلِ، فَرَأَى دِيكِي صَبِيًّا يُفَارِقُ أَبَاهُ كَرْهًا وَيَسِيرُ بِخُطًى وَئِيدَةٍ نَحْوَ البَابِ. فِي السَّاعَةِ العَاشِرَةِ وَخَمْسِ وَخَمْسُينَ دَقِيقَةٍ، نَادَوْا اِسْمَ چوردن. قَالَ الأَبُ وَعَيْنَاهُ تَتَحَاشَانِ النَّظَرَ إلى ابنِهِ: “حَظًّا مُبَارَكًا يا بُنَيّ، سَأَجِيءُ لإِحْضَارِكَ حَالَمَا يَنْتَهِي الاخْتِبَارُ.” سَارَ ديكي نَحْوَ البَابِ وأَدَارَ مِقْبَضَهُ، وَأَفْضَى إِلَى غُرْفَةٍ يَسُودُهَا الظَّلَامُ؛ فَلَمْ يَسْتَطِعْ تَمْيِيزَ مَلَامِحِ المُوَظَّفِ ذِي السُّتْرَةِ الرَّمَادِيَّةِ الذي اسْتَقْبَلَهُ إلَّا بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ. قَالَ لَهُ المُوَظَّفُ بِنَبْرَةٍ وَادِعَةٍ وَهُوَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إلى كُرْسِيٍّ عَالٍ بِجوارِ مَكْتَبِهِ: “اِجْلِسْ. اسمُكَ ريتشارد چوردن؟” “نَعَمْ يَا سَيِّدي.” “رَقْمُكَ التَّصْنِيفِيُّ هُوَ 600-115، اِشْرَبْ هَذَا يَا ريتشارد.”

رَفَعَ كُوبًا بِلاستِيكيًّا مِنَ فَوْقِ المَكْتَبِ وَسَلَّمَهُ للصَّبِيّ. كَانَ السَّائِلُ بِدَاخِلِ الكُوبِ مُتَمَاسِكَ ذَا قِوَامٍ يُمَاثِلُ اللَّبَنَ المَخِيضَ وذَا نَكْهَةٍ لَا تَحْمِلُ مِنْ طَعْمِ النَّعْنَاعِ المَوعُودِ إلَّا ظِلًّا مُبْهَمًا. شَرِبَهُ دِيكي جَرْعَةً وَاحِدَةً وَسَلَّمَهُ للرَّجُلِ فَارِغًا. جَلَسَ الصَّبِيُّ صَامِتًا، شَاعِرًا بالنُّعَاسِ يَسْرِي فِي جَسَدِهِ، بَيْنَمَا كَانَ المُوَظَّفُ مُنْكَبًّا عَلَى وَرَقَةٍ يَكْتُبُ عَلَيْهَا. نَظَرَ الرَّجُلُ إلَى سَاعَةِ يَدِهِ وَنَهَضَ لِيَقِفَ عَلَى بُعْدِ بُوصَاتٍ مَعْدُودَاتٍ مِنْ وَجْهِ دِيكي. أَخْرَجِ مِنْ جَيْبِ سُتْرَتِهِ شَيئًا أَشْبَهَ بِقَلَمٍ وسَلَطَ ضَوْءًا خَافِتًا عَلَى عَيْنَي الصَّبِيّ. قَالَ: “حَسْنًا، هَلُّمَ مَعَي يا ريتشارد.” قَادَ دِيكي إلى نِهَايَةِ الغُرْفَةِ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ كُرْسِيٌّ خَشَبِيٌّ ذُو ذِرَاعَيْنِ يُوَاجِهُ آلَةَ حَوْسَبَةٍ مُكْتَظَّةً بالتُّرُوسِ والأزْرَارِ. كَانَ هُنَاكَ مَيْكروفون عَلَى الذِّرَاعِ اليُسْرَى للكُرْسِيّ، وَجَدَ الصَّبِيُّ حِينَمَا جَلَسَ عَلَى الكُرْسِيّ أَنَّ الرَّأَسَ الدَّقِيقِ للميكروفون قَرِيبٌ مِنْ فَمِهِ يَكَادُ يُلَامِسُ شَفَتَيْهِ. “مَا عَلَيْكَ الآنَ إلَّا الاسْتِرْخَاءُ يا ريتشارد. سَتُطْرَحُ عَلَيْكَ بَعْضُ الأسْئِلَةِ، فَأَمْعِنِ النَّظَرَ فِيهَا مَلِيًّا ثُمَّ أَجِبْ عَنْهَا عَبْرَ المَيْكروفون، وسَتَتَكَفَّلُ الآلَةُ بِمَا تَبَقَّى مِنْ تَدَابِيرَ. هَل هَذَا وَاضِحٌ؟” “نَعَمْ، يَا سِيِّدِي.” “سَأَتْرُكُكَ الآنَ وَحْدَكَ. حِينَمَا تَوَدُّ بَدْءَ الاخْتِبَارِ، قُلْ (مُسْتَعِدٌّ) عَبْرَ الميكروفون.” “حَسْنًا يَا سَيِّدِي.” رَبَّتَ الرَّجُلُ عَلَى كَتِفِ دِيكِي بِقُوَّةٍ ثُمَّ غَادَرَ الغُرْفَةَ القَاتِمَةَ. قَالَ الصَّبِيُّ عَبْرَ الميكروفون: “مُسْتَعِدٌّ.” تَبَرْقَشَتِ الآلةُ بالأَضْوَاءِ بَغْتَةً وتَصَاعَدَ مِنْ جَوْفِهَا الطَنِينُ ثُمَّ انْبَعَثَ مِنْهَا صَوْتٌ يَقُولُ: “أَكْمِلْ التَّسَلْسُلَ الرَّقْمِيَّ التَّالِي: واحِدٌ، أَرْبَعَةٌ، سَبْعَةٌ، عَشْرَةٌ،…”

كَانَ السَّيِّدُ چوردن والسَّيِّدَةُ قَرِينَتُهُ صَامِتَيْنِ فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، لَا يَنْبِسَانِ بِبِنْتِ شَفَةٍ، ولَا يَتَكَهَّنَانِ بِمَا غَابَ عَنْهُمَا نَبَأُهُ. كَانَتِ السَّاعَةُ تُشَارِفُ الرَّابِعَةَ حِينمَا انْبَعَثَ مِنَ الهَاتِفِ رَنِينٌ. حَاوَلَتِ المَرْأَةُ أَنْ تَصِلَ إلَيْهِ أَوَّلًا، لَكِنَّ زَوْجَهَا كَانَ أَسْرَعَ مِنْهَا. “السَّيِّدُ چوردن؟” كَانَ الصَّوْتُ صَارِمًا، ذَا نَبْرَةٍ رَسْمِيَّةٍ تَشِي بِبُغْضٍ شَدِيدٍ لِتَبْدِيدِ أَدْنَى قَدْرٍ مِنَ الوَقْتِ سُدًى. “نَعَمْ، أَنَا المُتَحَدِّثُ إِلَيْكَ.” “مَعَكَ مُؤَسَّسَةُ التَّعْلِيمِ الحُكُومِيّ. نُعْلِمُكُمْ بإنَّ ابنَكُمْ ريتشارد چوردن ذُو الرَّقْمِ التَّصْنِيفِيّ 6000-1115 قَدْ أَتَمَّ اخْتِبَارَهُ الحُكُومِيّ، ويُؤسِفُنَا إِبْلَاغُكُمْ أَنَّ مُعَدَّلَ ذَكَائِهِ يَتَجَاوَزُ الحَدَّ الأَقْصَى المَسْمُوحَ بِهِ حُكُومِيًّا، وَفْقًا لِمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ المَادَّةُ 84 مِنَ الفَصْلِ الخَامِسِ مِنَ القَانُونِ الجَدِيدِ.” فِي الجَانِبِ الآخرِ مِنَ الغُرْفَةِ، أَطْلَقَتِ المَرْأَةُ صَرْخَةً أَلِيمَةً تَشُقُّ أَشْغِفَةَ القُلُوبِ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ مِنَ الأَمْرِ شَيْئًا إلَّا مَا قَرَأَتْهُ مَسْطُورًا عَلَى وَجْهِ زَوْجِهَا مِنْ آيَاتِ الكَمَدِ وَاليَأْسِ. اِسْتَأْنَفَ الصَّوْتُ حَدِيثَهُ بِنَبْرَةٍ رَتِيبَةٍ لَا يَشُوبُهَا أَدْنَى انْفِعَالٍ: “يُمْكِنُكُمْ أَنْ تُقَرِّرُوا عَبْرَ الهَاتِفِ: هَلْ تَرْغَبُونَ فِي أَنْ تَتَوَلَّى الحُكُومَةُ دَفْنَ جُثَّتِهِ فِي مَقْبَرَةٍ جَمَاعِيَّةٍ، أَمْ تُفَضِّلُونَ دَفْنَهُ فِي قَبْرٍ خَاصٍّ بِكُمْ؟ نُعْلِمُكُمْ بِأَنَّ رُسُومَ الدَّفْنِ الحُكُومِيّ تَبْلُغُ عَشَرَةَ دُولاراتٍ.”

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات