عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (1) بقلم: أكمل صفوت
تنشر “تفكير” سلسلة د. أكمل صفوت عن ثورة العبيد في هايتي، في تسع حلقات، تُنشر حلقة جديدة أسبوعيًا.
السلسلة مستوحاة من بودكاست The Age of Napoleon، وتقدم قراءة مبسطة لأحداث الثورة وخلفياتها ودلالاتها التاريخية.
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

هايتي .. ليه؟
هايتي موجودة فى الجزء الغربي من جزيرة هيسبانيولا اللي بين كوبا وجامايكا من الغرب وبورتوريكو من الشرق وكانت أكبر المستعمرات الفرنسية وأهمها وقت الثورة الفرنسية. رغم أن مساحة هايتي أقل من ١% من مساحة فرنسا وكان عايش فيها أقل من ٢% من سكان فرنسا إلا أنها كانت مسؤولة عن ١٠% من إجمالي التجارة الدولية لفرنسا في الوقت ده.
التجارة دي كانت قائمة أساسا على السكر، أهم المنتجات التجارية وقتها بلا منازع واللي كان يتم إنتاجه من القصب. زراعة القصب وتصنيع السكر كان بيقوم به العبيد اللي جايين من غرب أفريقيا.

مهم هنا اننا نقول ان الثروات المهولة المرتبطة بالتجارة المعتمدة على نظام العبودية (بما فيها التجارة في العبيد نفسهم) عملت نفوذ سياسي واجتماعي داخل فرنسا لمزارعي المستوطنات اللي شكلوا أول جماعة ضغط (لوبي) سياسي في التاريخ الحديث واللي كان هدفها الحفاظ على نظام العبودية وضمان استمراره. حكومات ملكية فرنسية مختلفة حاولت قبل الثورة الفرنسية عمل بعض الإصلاحات الجزئية في النظام العبودي وفي الوضع القانوني للعبيد وكانت عايزة تديهم بعض الحقوق، لكن لوبي المزارعين كان دايما بينجح يجهض المشاريع دي. اللوبي ده كان كمان أول راعي رسمي للنظريات العلمية العنصرية اللى اخترعت “الأعراق” وصنفت البشر على أساسها.

شرا العبد ولا تربيته
٩٠% من سكان هايتي كانوا عبيد. النسبة الضخمة دي معناها ان ال ١٠% المتبقين كان لازم يستخدموا درجة كبيرة من العنف علشان يفرضوا النظام ده على الأغلبية ويخَلّوه يستقر ويستمر. بس الوصف البسيط ده مش كفاية علشان يوضح للقارئ درجة العنف أو نوع الحياة اللي العبيد دول كانوا عايشينها لأن في الحقيقة حياة العبيد دول كانت أقرب للوضع داخل المستعمرات النازية منها لحياة العبيد داخل -مثلا- مزرعة قطن في الجنوب الأمريكي.
مزارع القصب كانت مرتع للثعابين والعقارب، عملية حصد القصب بالسيوف والسكاكين في المزارع، والآلات البدائية فى مصانع السكر، كان بيروح ضحيتها كتير كل سنة. ده غير اللي كانوا بيموتوا نتيجة الحمى الصفرا والملاريا والسل اللى كانوا (وما زالوا) من الأمراض الفتاكة المتوطنة فى المنطقة. أما السبب الأهم لتدني مستوى معيشة العبيد في هايتي فهو -للأسف الشديد- ان تدفق سفن العبيد من أفريقيا كان بيخَلّي شراء عبيد جدد “أرخص” من محاولة الحفاظ على حياة الموجودين. النتيجة أن متوسط عمر عامل السكر من بعد ما يبدأ عمله، كان ٤ سنين فقط.
البيض الأمارة والسمر الحيارى
هايتي ماكانتش مجرد، أقلية أرستقراطية من المزارعين “البيض” المهاجرين من فرنسا وأغلبية من العبيد “السود” اللي جايين من أفريقيا، لكن تقسيمتها العرقية والطبقية كانت معقدة عن كده شويتين.
الأقلية البيضاء كان فيها اللي جذورهم أرستقراطية ومن عائلات غنية وعريقة ودول كان اسمهم (البيض الكبار)، وفيها المغامرين اللي أصولهم فقيرة وغير أرستقراطية واللي ماعرفوش يتملكوا مزارع فاشتغلوا، جنود أو بحارة أو أصحاب متاجر أو كتبة أو تجار أو مشرفين على العبيد وفضل كتير منهم فقراء وبالتالي في قاع الهرم “الطبقي” اقتصاديا رغم أنهم على قمته (بفضل بشرتهم البيضاء) اجتماعيا ودول كان اسمهم (البيض الصغار).
كان فيه طائفة ثالثة من مختلطي العرق أنا -للتسهيل- حاسميهم “السمر” كانوا من نسل الرجالة الفرنسيين البيض والستات الأفريقيات وعلى مر الأجيال اتجوز السمر مع بعض وعملوا مجتمع خاص بيهم.
على عكس النظام الأمريكي واللي كان بيخَلّي أي قطرة دم زنجية في أي من الأسلاف كافية لتصنيف الشخص باعتباره “أسود”، مهما كان لون بشرته، كان السمر الهايتيين عرق مستقل وكانوا بيتولدوا أحرار مش عبيد، وبيورثوا آبائهم الفرنسيين فكان عند بعضهم مزارع وبيمتلكوا عبيد “سود”. ورغم انهم ماكانوش بيتمتعوا بنفس حقوق البيض (ماكانش لهم حق التمثيل السياسي) إلا أن بعضهم كان فاحش الثراء وأغنى من بعض المزارعين البيض. وكان للمزارعين السمر تأثير مش قليل على السياسة داخل هايتي وكانوا بيعتبروا نفسهم “أبناء المكان” وده خلق بينهم وبين البيض الوافدين (بالذات الفقراء منهم) شد وجذب وتناحر.
أما السود فكانوا برضه متقسمين طبقيا، في القاع اللي بيشتغلوا في المزارع وفوقهم اللي بيشتغلوا في البيوت أو في خدمة صاحب المزرعة نفسه وأخيرا كان فيه أقلية من العبيد المحررين، بس دول ماكانوش أكثر من ١% من نسبة السود في هايتي في الوقت ده.
السكان الأصليين لهايتي كان عددهم قل جدا من بعد الأسبان ماوصلوا الجزيرة في أواخر القرن الخمستاشر بسبب الحروب مع الأسبان والأمراض اللي جه بيها الرجل الأبيض وعلى وقت قصتنا كانوا مش أكثر من كم ألف واحد ضمن السود العبيد.
رغم التفاوت الطبقي وسط أغلبية السود إلا إن تجربة العبودية كانت بتجمعهم وتربطهم سوا برباط بيخليهم أكثر مجموعة سكانية متماسكة.
غير كل دول كان فيه كمان مجموعة تانية، كانوا بيسموهم “المارون” بس انا حاسميهم “المطاريد” وأقصد بهم العبيد اللي هربوا من جحيم الشغل في المزارع واختاروا يعيشوا في الأحراش اللي في وسط هايتي، حياة خطرة مهددة دايما بهجوم جنود الحامية الفرنسية عليهم، الجماعة دول كانوا عايشين على الزراعة أحيانا وعلى السرقة والهجوم على أطراف المدن غالبا وكانوا جماعة مهمشة مالهومش وزن في الحياة الاجتماعية والسياسية لهايتي، علشان كده كان آخر حاجة أي حد يتوقعها إن أول زعيم سياسى لعبيد هايتى وأول من دعا لتحريرهم يبقى من المطاريد.
مين وازاي؟ خلينا نشوف بكرة..
يتبع…
ملحوظة: المصدر الرئيسي ومزيد من المعلومات موجودة فى بودكاست “عصر نابوليون” “The age of Napoleon”
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد