عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (٢) بقلم: أكمل صفوت
تنشر “تفكير” سلسلة د. أكمل صفوت عن ثورة العبيد في هايتي، في تسع حلقات، تُنشر حلقة جديدة أسبوعيًا.
السلسلة مستوحاة من بودكاست The Age of Napoleon، وتقدم قراءة مبسطة لأحداث الثورة وخلفياتها ودلالاتها التاريخية.
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

ماكاندال ولا كان عالخاطر
مانعرفش كتير عن “ماكاندال” أول زعيم سياسي لعبيد هايتي، غير انه اتولد في غرب أفريقيا، خطفوه تجار العبيد وهو صغير وشحنوه على هايتي. كان مسلم وبيعرف يتكلم عربي بالإضافة للغة قبيلته الأفريقية. فقد كف إيده في حادثة إما أثناء حصاد القصب أو قدام مكنة في مصنع من مصانع تكرير السكر. بعدها ماكندال هرب على الأحراش وبقى زعيم لمجموعة من المطاريد.
بمجرد استلامه لزعامة مجموعته بدأ ماكاندال في الاتصال بالمجموعات التانية من المطاريد وبالعبيد اللى بيشتغلوا فى المزارع وفي بيوت أسيادهم البيض علشان يعمل أول جمعية ثورية سرية. فضل ماكاندال يجهز لتمرده لمدة ٦ سنين كاملة.
خطة ماكاندال كانت ان في يوم معين حيقوم عبيد البيوت بتسميم أسيادهم البيض وفي الفوضى اللي حتحصل بسبب الموت الجماعي ده حيستولي العبيد على السلطة ويطردوا باقي السكان البيض من هايتي.

عملية بالحجم ده كان من الصعب تفضل سرية. في النهاية، حد اتكلم وفضح السر ونجح البوليس في القبض على ماكاندال وزمايله وتم إعدام ماكندال حرقا.
في ساحة الإعدام كان فيه شاب عمره ١٥ سنة اسمه “توسان” بيراقب المشهد المروع ده. توسان كان واحد من جيل كامل ثورة ماكاندال ألهمته وفشلها علمه. وإذا كانت حكاية ماكاندال خلصت، فحكاية توسان لسه يادوب بتبتدي.
توسان “اللي من بريدا”
توسان اتولد يوم ٢٠ مايو سنة ١٧٤٣ في مزرعة سكر اسمها “بريدا” في شمال هايتي. ولأن العبيد في هايتي ماكانش لهم شخصية قانونية مستقلة ولا يملكوا اسم رسمي أو تحقيق شخصية ومالهمش الحق في اسم عيلة فكان توسان معروف بإنه توسان “اللي من بريدا”. توسان كان حاد الذكاء والنبوغ من صغرة ورغم حجمه الضئيل إلا إنه كان فارس بارع ومهاب. الرجل الفرنسي اللي كان بيملك مزرعة بريدا كان عايش في فرنسا فكان معين محامي فرنسي عايش في هايتي كمدير للمزرعة. الراجل ده كان اسمه “أنطوان فرانسوا بايون دي-ليبرتا”، وكان يعتبر راجل “كويس” يعنى ماعندوش كره أو تحيز ضد العبيد السود ورغم انه كان بيضطر أحيانا ياخد إجراءات تأديبية علشان الشغل يمشي إلا إنه ماكانش مكروه وسط العبيد. الراجل ده لمس ذكاء توسان فشمله برعايته واهتم يعلمه ويكسبه خبرة ومهارات حياتية وعينه السواق بتاعه. شغلانة السواق دى كانت مهمة جدا لأنها سمحت لتوسان يسيب المزرعة ويتعرف على وضع العبيد في كل الجزيرة وياخد فكرة عن جغرافية البلد. توسان كمان كان بيبقى حاضر مفاوضات وصفقات دي-ليبرتا مع التجار والمزارعين الفرنسيين والأجانب وبيسمع النقاشات السياسية بين أصحاب النفوذ السياسي سواء من البيض أو السمر. بالإضافة لكل ده، كان توسان بيقضي وقت طويل مع دي-ليبرتا في سفرياتهم اتعلم وفهم فيه القوانين اللي كانت بتحكم تجارة العبيد وبتحدد وضعهم في القانون. وأخيرا كان دي-ليبرتا بيستخدم توسان كوسيط أو مبعوث له يتكلم باسمه ويوصل رسايل لناس كتير من أصحاب النفوذ والسلطة.
علشان كده مش غريب -وإن كان أمر طريف- إن غالبية قادة ثورة العبيد في هايتي بعد كده كانوا من “السواقين” السابقين. بس الحقيقة إن فيه شواهد كتير بترجح إن العلاقة اللي كانت بتربط دي-ليبرتا بتوسان كان فيها مودة واحترام متبادل وصداقة حقيقية ماكانتش معهودة أبدا بين سيد وعبد في الفترة دي. من الشواهد دي -غير جواباتهم المتبادلة- ان لما توسان أصبح حاكم هايتي في وقت لاحق، قرر دى-ليبرتا (اللي كان عايش فى أمريكا في الوقت ده) إنه يبعت ابنه علشان يشتغل عند توسان كمساعد شخصي ويتعلم منه زي ماتوسان زمان اتعلم من دي-ليبرتا.
ثورة وللا بيزنس؟
لما اندلعت الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩ وصلت توابع الزلزال السياسي ده لهايتي. وبدا وكأن هايتي حيحصل فيها ثورة. المدهش إن اللي قاد “الثورة” دي ورفع ألوان علم الثورة الفرنسية وشعار “الحرية أو الموت” كانوا أصحاب النفوذ من المستعمرين البيض!!
غريبة … مش كده؟
الحقيقة ان لما “البيض الكبار” في هايتي تبنوا شعارات الثورة الفرنسية وبدأوا يتحركوا ضد “الاستبداد الملكي” كانوا بيقصدوا بالاستبداد محاولات إصلاح النظام العبودي المتهافتة للحكومات الملكية السابقة. الناس دي من أصحاب النفوذ كانت عايزة بس ان حريتها في قمع العبيد تبقى مطلقة، ومعتبرة أي تضييق على قدرتها على القمع، “ظلم”.
أما البيض الصغار فكانت دعواتهم “للمساواة” مقصود بيها مساواتهم السياسية (الانتخاب وعضوية المجالس والبرلمان الخ) بالبيض الكبار، أما باقي سكان هايتي فكانوا -طبعا- برة المعادلة تماما..
السكان السمر للجزيرة كانوا برضه بيدعوا للتغيير وللثورة طبعا لأنهم شافوا في ده فرصة لمساواتهم بالمستعمرين البيض، بس برضه ماحدش فيهم شاف للعبيد السود موقع داخل خريطة المجتمع الثورى الجديد اللى كانوا عايزينه.
إن الناس في “لحظة ثورية” تبقى -بسبب مصالحها- بتجمع داخلها بين شعارات الحرية والمساواة والإخاء وبين مواقف وأفكار عنصرية متعصبة درس مهم الواحد يتعلمه.
للحظة قصيرة خاطفة بدا وكأن القوى الاجتماعية المسيطرة على الحياة السياسية في هايتي (البيض الكبار والصغار والسمر) في حالة “تناغم ثوري”، بيرفعوا نفس الشعارات والأعلام وبيهاجموا الملك عدوهم المشترك وسبب الظلم والفساد.
بس لأن هايتي مستعمرة فرنسية فالصراعات السياسية دي كانت لازم تتحسم في باريس. ولأن ماكانش فيه رؤية مشتركة حقيقية ولكل فريق من دول هدف مستقل فمش حيمر وقت طويل قبل ما الطوائف التلاتة دول يتخانقوا وتقعد كل طايفة لوحدها على جنب تتحسر وهي بتغني “يالميدان من زمان” …
طيب ثوار باريس، الفقراء المعدمين بجد، وحكومتهم الثورية الجديدة كان رأيهم إيه؟ حنشوف بكرة.
يتبع…
المصدر الرئيسي ومزيد من المعلومات موجودة فى بودكاست “عصر نابوليون” “The age of Napoleon”
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد