الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. ج2.. الجابري نموذجًا… بقلم: كريم المزكلدي
القسم الثاني: الجابري نموذجًا
تتناول هذه المقالة مشروع محمد عابد الجابري بالتحليل والنقد، من خلال رصد موقف الجابري من التراث والحداثة، واشتباكه مع معاصريه: العروي وطه عبد الرحمن.
بقلم: كريم المزكلدي

مقدمة: سؤال واحد بثلاثة أقنعة
يبدو مشروع محمد عابد الجابري للوهلة الأولى مشروعًا إبستمولوجيًا محايدًا لنقد العقل العربي، لكنّ تتبع مساره يكشف أنه يجيب عن سؤال واحد قديم في مدرسة النهضة: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وجوابه يلبس ثلاثة أقنعة: قناع منهجي هو الفصل والوصل، وقناع تاريخي هو البيان والعرفان والبرهان، وقناع سياسي هو ابن رشد.
صعوبة نقد الجابري تأتي من هذا التركيب. هو في آن مناضل في الحركة الوطنية والاتحاد الاشتراكي، ووريث لمدرسة النهضة، وصاحب مشروع يلبس لباس الحياد العلمي المستعار من باشلار وفوكو. ونقده في مستوى واحد فقط يجعلنا نفوت المستويين الآخرين.



أولًا: السيرة والمنهج
يمكن قراءة التحول بين مقال «مع الأستاذ العروي» 1973م وكتاب «نحن والتراث» 1980م كتجسيد لتحول سوسيولوجي؛ فالجابري الذي قدمه العروي في مؤتمر حزب التحرر وتحدث بلسان الممارس، هو نفسه الذي كتب بعد استقالته 1975م بلسان المحلل.
في المرحلة الأولى كان المعيار هو الممارسة: ما الوظيفة الأيديولوجية لهذا الخطاب؟ بعد الاستقالة أصبح المعيار هو البنية: كيف يفكر هذا العقل؟ واستبدل أدوات باشلار وفوكو بأدوات التحليل المادي التالريخي.
وفي “غمار السياسة” ص 311 يلخص حركته: «لا بد من الانطلاق من المشخص للصعود نحو المجرد، ثم لا بد من النزول من المجرد إلى المشخص، في عملية ديالكتيكية واحدة» فمرحلة العروي كانت المشخص، ومرحلة نحن والتراث كانت المجرد، والكتب اللاحقة كانت محاولة النزول من جديد.

1. المنهج – الفصل والوصل كصيغة أولى للاغتراب:
يؤسس الجابري قراءته في كتابه “نحن والتراث” على ثنائية منهجية هي الدعامة لكل مشروعه اللاحق.
أ. الفصل: تحقيق الموضوعية:
الغاية هي تخليص المقروء من إسقاطات القارئ، يقول ص 12: «جعل المقروء معاصرًا لنفسه معناه فصله عنا»
ويصوغ الإشكالية ص 21: «كيف نبني لأنفسنا فهمًا موضوعيًا لتراثنا؟ تلك، في نظرنا، القضية الأساسية في مشكلة المنهج التي تواجه الفكر العربي المعاصر»
ويحدد آليتها ص 23: «فصل الذات عن الموضوع عملية ضرورية، ولكنها مجرد خطوة تمهيدية تتمكن الذات بواسطتها من استرجاع فاعليتها الحرة؛ لتشرع في بناء الموضوع بناء جديدًا وفي أفق جديد… فصلًا يجعله يسترجع هو الآخر استقلاله و«شخصيته»: هويته وتاريخيته»
هنا تظهر أولى لحظات الاغتراب الهيغلي: الذات تنفصل عن موضوعها وتجعله غريبًا أمامها حتى تستطيع أن تعرفه.

ب. الوصل: تحقيق المعاصرة
لكن الجابري يرفض أن يبقى التراث قطعة متحفية. يقول ص 24: «إن المقروء هو تراثنا نحن، فهو جزء منا «أخرجناه» من ذواتنا لا لنلقي به هناك بعيدًا عنا، لا لنتفرج فيه تفرج الأنتروبولوجي… بل فصلناه عنا من أجل أن نعيده إلينا في صورة جديدة، وبعلاقات جديدة، من أجل أن نجعله معاصرًا لنا»
ويجمع الخطوتين ص 12: «جعل المقروء معاصرًا لنفسه معناه فصله عنا.. وجعله معاصرًا لنا معناه وصله بنا… قراءتنا تعتمد، إذن، الفصل والوصل كخطوتين منهجيتين رئيستين»
ويختم ص 25: «هنا تقرأ المقدمات بنتائجها والماضي بمستقبله، وما كان بما «كان سيكون»، فيندمج الموضوعي مع الأيديولوجي… فيصبح المقروء المعاصر لنفسه، معاصرًا لقارئه»
هذه هي بنية الاغتراب والرفع Aufhebung مترجمة حرفيًا اغتراب ضروري، ثم عودة في وحدة أعلى. وهو ما سيحكم كل بنائه التاريخي.
ويحدد الجابري نفسه معنى القطيعة التي يقصدها ص 20: «لا بد من الإشارة أولاً إلى أن القطيعة الإبستيمولوجية لا تتناول موضوع المعرفة، ولذلك فلا علاقة لها إطلاقًا بالأطروحة الفاسدة المنادية بإلقاء التراث في المتاحف»
القطيعة إذن ليست مع التراث، بل مع طريقة إنتاج المعرفة داخله.

2. أزمة الإبداع والنموذج
وهنا تظهر المفارقة التي ناقشناها في مقال «أزمة الإبداع»: الجابري ينطلق من أن أزمة الإبداع تمس الفكر كـ «أداة» و «محتوى» ص 107-108، وأن جذورها في خضوع الفكر لـ «نموذج سلف» ص 109، وأن «المهمة الأولى» هي «التحرر، أولاً وقبل كل شيء، من سلطة النموذج/السلف» ص 109-110 و «تدشين خطاب جدي في نقد العقل العربي» ص 110.
لكنه بعد أن ينتقد سلطة النموذج، يعيد إنتاج نموذج منتقى هو ابن رشد. السؤال المنهجي إذن: هل تحرر الجابري من منطق النموذج/السلف أم استبدل النموذج السلفي التقليدي بنموذج رشدي ينتقي منه ما يتوافق مع مطلب النهضة؟
ثانياً: موقع الرشدية في مشروع الجابري
ينطلق الجابري من مسلمة في مقدمة تكوين العقل العربي ص 5: «إن نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة»، «وهل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض؟»
ثم يحدد موضوعه الفصل الأول ص 13: «ما سنهتم به في هذا الكتاب ليس الأفكار ذاتها، بل الأداة المنتجة لهذه الأفكار»، «التفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها»
وهنا يميز بين العقل المكوِّن والعقل المكوَّن. وما يهمه هو الثاني: البنية التاريخية.

1. لحظة التأسيس: عصر التدوين
لا يبدأ الجابري من الجاهلية، بل من لحظة تثبيت المرجعية ص 62: «عصر التدوين هو الإطار المرجعي الحق للعقل العربي وليس العصر الجاهلي ولا العصر الإسلامي الأول» و «عصر التدوين بالنسبة للثقافة العربية هو بمثابة هذه “الحافة” ـ الأساس»
2. النظام المهيمن: البيان
يتشكل البيان عبر مسارين:
- الأعرابي صانع العالم ص 75-95: لغة جمعت من البدو «الذين كانوا يعيشون زمنا ممتدًا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة» فظل «الذهن العربي مشدودًا إلى اليوم، إلى ذلك العالم الحسي اللاتاريخي».
- الشافعي مقنن البيان ص 96-114: «إن القواعد التي وضعها الشافعي لا تقل أهمية … عن “قواعد المنهج” التي وضعها ديكارت».
ثم يكتشف القاعدة الموحدة ص 131: «إنه القياس بتعبير النحاة والفقهاء، أو الاستدلال بالشاهد على الغائب بتعبير المتكلمين، والتشبيه بتعبير البلاغيين… قاعدة إبيستيمولوجية واحدة … تؤسس الإنتاج النظري في العلوم العربية الإسلامية».

3. النظام المزاحم: العرفان والعقل المستقيل
ص 162-219 العرفان هو «المعرفة اللدنية» القائمة على الكشف والوصال، ضد القياس. يرى الجابري أن جذوره هرمسية غنوصية أفلوطينية، وأنه: «أول ما نقل إلى الثقافة العربية الإسلامية من “علوم الأوائل” كان من العلوم الهرمسية» ثم انتقل من الكيمياء والتنجيم إلى الغلاة والشيعة والإسماعيلية وإخوان الصفا والتصوف النظري: «فليس من الغريب أن تكون الشيعة أول من تهرمس في الإسلام» و «التأويل الباطني» الذي ينقلنا من «الفهم البياني العربي» إلى «الفهم الفلسفي الهرمسي».
هنا يظهر العقل المستقيل، العقل الذي يستقيل من البرهان لصالح الكشف.
4. النظام المحاصر: البرهان وجغرافيا العقل
هنا يبلغ المشروع ذروته. يقول في الفصل العاشر ص 220-252: «النظام البياني والأيديولوجية السنية من جهة، والنظام العرفاني والأيديولوجية الشيعية من جهة ثانية»، «سيكون النظام البرهاني … محكومًا في طبيعته وتطوره بالصراع بين “البيان” و”العرفان”»
البرهان لم يدخل فراغًا بل دخل ساحة صراع. وهنا تتحول الأنظمة إلى جغرافيا: المشرق وخراسان ( لحظة) تشوش البرهان بالعقل المستقيل، المغرب والأندلس = استعادة البرهان.
المسار الذي يرسمه هو: أرسطو لحظة صفاء البرهان والتراث الهلينستي وهي لحظة امتزاجه بالهرمسية تم انتقاله ممزوجًا إلى بغداد كما يتجلى عند ابن سينا [أرسطية + أفلوطينية] ثم يعود لنقائه الأول على يد ابن رشد.
ويقول في الفصل الأخير ص 295: «الثقافة العربية لم تستعد المنظومة الأرسطية كاملة وخالصة ومتحررة من شوائب “العقل المستقيل” واستشرافاته الهرمسية، إلا مع ابن رشد»
هذه العبارة هي مفتاح المشروع كله. ابن رشد ليس فيلسوفاً آخر، بل لحظة استعادة المنظومة.
5. الأصل والنهضة – المفارقة التأسيسية
من هنا يتحول ابن رشد من نهاية تاريخية إلى أفق نهضوي. يقول ص 49: «وعاش الأوروبيون التاريخ الذي خرجنا منه لانهم أخذوا منا ابن رشد فعاشوا لحظته وما زالوا يفعلون»
وفي نحن والتراث ص 50-52 يدعو إلى اقتباس منهجه وبناء علاقتنا بالتراث بواسطته، ويجعل «الروح الرشدية» موردًا للحاضر.
هل قاد تحليل البنية التاريخية إلى اختيار الرشدية، أم أن اختيار الرشدية كأفق نهضوي هو الذي قاد إلى إعادة بناء البنية التاريخية على شكل قطيعة بين المشرق والمغرب والبيان والعرفان والبرهان؟

ثالثاً: مسألة الاغتراب
1. الاغتراب المنهجي
من زاوية الاغتراب، مشروع الجابري هو تعبير عن مفارقة الذات العربية: تريد أن تستعيد عقلها لكنْ عبر جهاز مفهومي تشكّل خارج بنيتها التاريخية.
التراث يتحول من تاريخ حي أنتجت الذاتُ داخله مفاهيمها إلى موضوع خارجي تصنفه الذات وتحاكمه بمعايير حديثة. وتتحول تصنيفاته إلى ثنائيات صلبة: بيان/عرفان/برهان، مشرق/مغرب، غنوصية/عقلانية، فيصبح الماضي موزعًا وفق حاجات الحاضر بدل أن يدرس كشبكة متداخلة.
الجابري لا يمثل تبعية بسيطة للغرب، بل صورة معقدة من الاغتراب: الذات تستخدم أدوات الحداثة لامتلاك تاريخها، لكنها تعيد بناء هذا التاريخ وفق صورة صنعتها تلك الأدوات.

2. الوعي الشقي
إن مفهوم “الوعي الشقي“ عند محمد عابد الجابري، كما ورد في حواره في مجلة الحياة الثقافية، السنة 27، العدد 134، أفريل 2002، ص 87-89، ليس وصفا نفسيا عابرًا، بل هو تشخيص لبنية الثقافة العربية الراهنة. يعرّفه الجابري في ص 89 بأنه “انشقاق الوعي أو مشاقة الوعي مع نفسه“ وحالة يجد فيها الإنسان نفسه “في مخاصمة مع نفسه، يحب الشيء ويكرهه“، أي تناقض وجداني دائم بين “يريد ولا يريد“. ويتجلى هذا الشقاء على مستويين متلازمين.
أولا، في العلاقة مع الغرب:
يوضح الجابري أن المثقف العربي يحب الغرب لأنه “قدم لنا الطب وما نحتاج له من أدوات وإنترنت ومعلوميات“ [ص 89]، لكنه في نفس الوقت يكرهه لأنه يمثل “الاستعمار وقضية الهيمنة في الشرق وفلسطين“ [ص 89]، ومن هنا يطلق عبارته المركزية: “نحن في وعي شقي مع الغرب، والغرب في وعي شقي مع نفسه“ [ص 89]، فالغرب ينادي بـ “الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ولكنه لا يمارسها معنا“ [ص 89].

ثانيا، في العلاقة مع التراث:
وهو ما يربطه بسؤال امتلاك التراث في ص 87. فالمجتمعات العربية في نظره “مجتمعات مثقلة بماضيها، تجرّ ماضيها“ [ص 87] والماضي “جاثم على صدورنا“ [ص 87]، لذلك لا يمكن التقدم إلا بـ “أن نتمثله بدل أن يبقى جاثما“ و “أن نصفي الحساب معه“ [ص 87]. وهذا الشقاء يظهر داخل المثقف نفسه: فالحداثي كما يقول “لا بد أن يمتلك التراث، لا يمكن أن يعيش بدون هوية تراثية، وإلا ليس له جذور“ [ص 89]، بينما التقليدي يشعر أنه “ليس عنده ما يفرض به وجوده“ إلا بالتراث وحده. والنتيجة أن الحداثيين والتقليديين كلاهما “يعاني من شقاء الوعي“ [ص 89].
ويخلص الجابري إلى أن هذا الوعي الشقي هو سبب “المناخ الثقافي المريض والمرتبك“ [ص 89]، وحله ليس في إنكار أحد الطرفين بل في القطيعة الإبستمولوجية والنقدية التي تمكن من امتلاك التراث لتجاوزه، وامتلاك أدوات الحداثة لنقد هيمنتها، وهو ما يسميه في ص 88 “عقل ناهض“ و “استشراف نقدي على هذا التراث“.

3. الاغتراب بين الأصل والنهضة:
روايته ليست جدلية مراحل، بل رواية اغتراب وعودة على طريقة ظاهريات الروح: البرهان يبدأ نقيًا في أثينا، يغترب ويتلوث في الإسكندرية بالهرمسية، يصل بغداد مغطىً بالعقل المستقيل، ولا يتطهر إلا مع ابن رشد. أصل نقي، سقوط، وعودة إلى الأصل في مستوى أعلى. هذه بنية هيغل نفسها، لكن غايتها ليست في المستقبل كالدولة البروسية، بل في الماضي، لحظة رشدية يجب استعادتها.
بهذا المعنى، تجاوز الاغتراب لا يكون برفض الجابري ولا بالعودة إلى التراث كما كان، بل بالانتقال من سؤال «أي عناصر من التراث تصلح للحداثة؟» إلى سؤال أعمق: «كيف تشكلت علاقتنا الحديثة بالتراث، وكيف يمكن للذات أن تعيد إنتاج أدوات فهمه من داخل تاريخها دون أن تنغلق أو تذوب؟»

رابعًا: الجابري في حلبة هيغل
ادعى الجابري أنه تجاوز هيغلية عبد الله العروي. العروي كان هيغليًا فجًا؛ لأنه طبق مراحل التاريخ الأوروبي على التاريخ العربي، وسؤاله المركزي هو سؤال الوعي الشقي: لماذا يعيش العربي ممزقًا بين روح تسكن الماضي وجسد يسكن الحاضر؟
الجابري انتقده بأنه أخذ ماركسية التحليل وترك ماركسية الممارسة، لكنه بقي هيغليًا في العمق، بل أكثر أصالة.
ولكي تصبح أطروحته «أوروبا تقدمت لأنها أخذت ابن رشد ونحن تخلفنا لأننا أخذنا الغزالي» مقنعة، كان لا بد من هندسة التراث كساحة صراع ثنائي: بيان سني وعرفان شيعي وبرهان محاصر. القسمة الثلاثية ليست وصفًا محايدًا بل خريطة انتخابية تجعل ابن رشد ممكنًا ومطلوبًا كطرف ثالث منقذ.
خامساً: الجابري والعروي
إذا كان العروي قد جعل من الماركسية، لا باعتبارها عقيدة مغلقة بل باعتبارها منهجًا وخلاصة للتجربة التاريخية الغربية، أفقًا يمكن للمثقف العربي أن يستوعب من خلاله التاريخ ويتجاوز حالة الاغتراب والانقسام بين روح تعيش في الماضي وجسد يعيش في الحاضر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا ينبغي أن تكون الماركسية نفسها هي تركيب هذا الاغتراب؟ أليست الماركسية، في سياق نشأتها التاريخية، تعبيرًا عن لحظة اغتراب وأزمة داخل الحداثة الغربية ذاتها، وعن التناقضات التي أنتجتها الرأسمالية الصناعية في القرن التاسع عشر؟
فإذا كانت الماركسية قد جاءت بوصفها نقدًا لهذه التناقضات، فإنها تكون، من هذه الزاوية، لحظة من لحظات الوعي الغربي بأزمته، لا تركيبًا نهائيًا لها. ولذلك فإن تحويلها إلى «خلاصة الغرب» وإلى منهج جاهز لتحرير الوعي العربي قد يعني تثبيت لحظة من جدل التاريخ الغربي وتحويلها إلى نقطة نهاية، في حين أن السؤال الماركسي نفسه استمر في التحول داخل تاريخ الغرب، وأعيدت صياغة مشكلاته في أفق الدولة الاجتماعية وحقوق الإنسان والنظريات الاجتماعية والنقدية وغيرها.
ومن هنا لا يكون نقد العروي موجهًا إلى اختياره الماركسية بقدر ما هو موجه إلى افتراضه أن لحظة تاريخية أنتجها صراع وتناقض يمكن أن تتحول إلى أداة نهائية لتجاوز الاغتراب الذي أنتجها.
ويمكن توجيه النقد نفسه إلى الجابري، ولكن هذه المرة من داخل البناء الذي أقامه في «تكوين العقل العربي». فإذا كان الجابري يروي تاريخ البرهان باعتباره مسارًا من الاستقلال ثم الاغتراب ثم الاستعادة، بحيث يبدأ البرهان مع أرسطو، ثم يدخل في تاريخ الفكر الهلينستي بما يحمله من عناصر هرمسية وغنوصية وأفلوطينية، ويصل في المشرق إلى ما يسميه «العقل المستقيل»، قبل أن يستعيد مع ابن رشد المنظومة الأرسطية «كاملة وخالصة» ومتحررة من شوائب ذلك العقل، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: لماذا تكون هذه الاستعادة نفسها هي «التركيب»؟
لماذا لا يكون ابن رشد، بدل أن يكون نهاية اغتراب البرهان، لحظة أخرى من لحظات الاغتراب والصراع التاريخي، أي نقيضًا تاريخيًا لما سبقه، لا تركيبًا نهائيًا له؟ فكون ابن رشد يقف في مواجهة العرفان والعقل المستقيل لا يكفي لكي نجعله يتجاوزهما في تركيب أعلى؛ إنه، في أفضل الأحوال، يمثل جوابًا تاريخيًا محددًا على أزمة تاريخية محددة.
وبذلك يصبح من الممكن قلب البناء الجابري نفسه: فكما أن الماركسية عند العروي يمكن النظر إليها بوصفها لحظة وعي بأزمة الحداثة الغربية لا خاتمة لتلك الأزمة، يمكن النظر إلى الرشدية عند الجابري بوصفها لحظة من لحظات الصراع داخل تاريخ العقل الإسلامي، لا بوصفها الصيغة النهائية لخروجه من الاغتراب.
ومن هنا تكتسب «الروح الرشدية» معناها الإشكالي: هل اكتشفها الجابري بوصفها النتيجة التي قاد إليها تحليله التاريخي للعقل العربي، أم أنه احتاج إليها بوصفها أفقًا للخروج من «الوعي الشقي» والاغتراب، ثم أعاد ترتيب التاريخ بحيث تنتهي حركة البرهان إليها؟ إن المسألة، في الحالتين، ليست رفض الماركسية أو ابن رشد، وإنما مساءلة الانتقال من النقيض التاريخي إلى التركيب النظري: كيف تتحول لحظة نشأت داخل أزمة وصراع إلى معيار يتجاوز الأزمة نفسها؟ وإذا لم نثبت أن تلك اللحظة أنهت التناقض الذي أنتجها، فإنها تظل لحظة في الجدل التاريخي، لا خاتمة له.
سادسًا: العرفان بين ثلاثة مشاريع
هنا يتضح الخلاف حول طبيعة العقل نفسه:
- العروي: التأويل الصوفي نقل الصراع من المجال الجدلي إلى مجال باطني يقوم على الكشف، فأصبح خطرًا على المنطق الجدلي وعطل تطوره.
- الجابري: العرفان نظام معرفي قائم على الكشف والباطن، وافد غنوصي، ينبغي إخراجه من مركز العقلانية.
- طه عبد الرحمن: يقلب العلاقة. العرفان ليس عائقاً بل إمكان لتجاوز ثنائية الدين والعلمانية الحديثة، عبر إعادة بناء المعرفة على أساس ائتماني وأخلاقي مستفيداً من الغزالي.
ما يراه العروي تعطيلًا، وما يراه الجابري بقايا غنوصية، يراه طه موردًا لتأسيس جديد. الخلاف إذن ليس حول التصوف، بل حول: هل العرفان انحراف عن العقل الجدلي أم نمط آخر لإنتاج الحقيقة؟
ويمكن تجاوز الثلاثة: لا ننطلق من حكم بأن العرفان تعطيل، ولا من كونه وافدًا يجب إقصاؤه، ولا من تحويله إلى حل جاهز، بل ندرس كيف تحولت علاقة الإسلام بالمعرفة من صراع بين أنماط متعددة لإنتاج الحقيقة إلى صراع حول من يملك حق تحديد معنى العقل ومن يملك سلطة التأويل.



سابعاً: الاغتراب ونقد طه عبد الرحمن
نقد طه عبد الرحمن هنا حاسم: الجابري رغم دعوته للبحث في «الآليات» انتهى إلى تجزئة التراث والاشتغال بالمضامين أكثر من آليات إنتاجها، واستعان بما يسميه طه «آليات استهلاكية» من البنيوية والعقلانية وفلسفة التاريخ.
التراث يتحول من تاريخ حي أنتجت الذات داخله مفاهيمها إلى موضوع خارجي تصنفه الذات وتحاكمه بمعايير حديثة. وتتحول تصنيفاته إلى ثنائيات صلبة: بيان/عرفان/برهان، مشرق/مغرب، غنوصية/عقلانية، فيصبح الماضي موزعًا وفق حاجات الحاضر بدل أن يدرس كشبكة متداخلة.
الجابري لا يمثل تبعية بسيطة للغرب، بل صورة معقدة من الاغتراب: الذات تستخدم أدوات الحداثة لامتلاك تاريخها، لكنها تعيد بناء هذا التاريخ وفق صورة صنعتها تلك الأدوات.


خاتمة: النواة السياسية
بعد فشل الممارسة الحزبية في السبعينات، لم يخرج الجابري من السياسة، بل نقل المعركة. حول هزيمة ظرفية إلى عطب معرفي عمره 14 قرنًا بشعار: لا نهضة بعقل غير ناهض. كتاب تكوين العقل العربي هو تبرير وجودي للمشروع السياسي.
ابن رشد عنده ليس فيلسوفًا فحسب، بل الحجة التراثية للمشروع الليبرالي: العنصر الليبرالي داخل التراث الذي يسمح بتأسيس الحداثة دون تهمة التغريب. اختيار الرشدية هو اختيار سياسي لدولة عقلانية ضد نموذجين: دولة الفقيه البياني ودولة الولي العرفاني.
الجابري مارس السياسة في مدرجات الجامعة كما مارسها في مراكز الحزب. استعار أدوات ضد هيغل ليبني مشروعًا هيغليًا في العمق. العروي كان هيغليًا في المراحل، والجابري هيغلي في الجوهر.
مشروعه ليس نقدًا للعقل العربي بقدر ما هو توظيف للعقل العربي في معركة سياسية معاصرة. هو آخر كبار فلاسفة التاريخ في مدرسة النهضة، وليس أول الإبستمولوجيين، وفيلسوف يبحث عن خلاص للوعي الشقي العربي عبر استعادة لحظة رشدية تجعله يمتلك تراثه ولا يمتلكه تراثه.
وإذا كانت الوحدة الكبرى الهيجلية لم تعد ممكنة في واقع مفتت موضوعيًا وذاتيًا فإن الأفق الواقعي قد يكون وحدات صغرى عملية تربط البنية بالممارسة في الآن والمكان، بدل انتظار تركيب نظري نهائي.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد