د. عاطف معتمد يتجول في صحروات مصر مع د. أكمل صفوت بصالون تفكير
كتب: نور البطاوي لمجلة تفكير
في مساء سبتيّ مفعم بعبق الجغرافيا وسحر التاريخ، نظم صالون تفكير ندوته الثانية عشر في موسم “كاتب وكتاب”، والتي استضافت هذه المرة قامة فكرية استثنائية، هو الدكتور عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة والحاصل على جائزة الدولة التشجيعية. أدار الندوة الدكتور أكمل صفوت، الذي وصف الضيف بأنه “ابن بطوطة معاصر” نظرًا لرحلاته الميدانية الواسعة وإنتاجه الغزير الذي يتجاوز الأطر الأكاديمية الضيقة ليشتبك مع القضايا الثقافية والسياسية الراهنة.
بقلم: نور البطاوي

تمحور اللقاء حول كتاب معتمد الأحدث “رحلات في ثلاث صحراوات”، وهو الجزء الثاني من مشروعه الطموح “جغرافية مصر”، والذي بدأه بكتاب “صوت المكان”.
لم تكن الندوة مجرد عرض لكتاب، بل كانت رحلة في عقل باحث يحاول إعادة اكتشاف الذات الوطنية عبر رمال الصحراء ومنحنيات الجبال.
الجغرافيا كعلم وطني ومغامرة ميدانية
استهل الدكتور عاطف معتمد حديثه بتحديد هوية الباحث في العلوم الاجتماعية، مؤكدًا أن أي باحث، مهما اتسعت رؤيته العالمية (Macro)، يجب أن يستقر في النهاية على دائرة محددة تمثل “العلم الوطني” (National Science). هذا العلم لا يعني الشعور القومي السطحي، بل يعني الخريطة التي تخص الوطن والقطر الذي يعيش فيه الباحث.
وأشار معتمد إلى أن كتابه يمثل مغامرة حقيقية للخروج من “جغرافيا المكاتب” إلى “جغرافيا الميدان” [26، 29]. فبينما اعتمد الراحل العظيم جمال حمدان في عبقريته على استخلاص الذهب من آلاف المراجع وهو جالس في مكتبه، اختار معتمد أن تكون مصادره أولية (Primary sources)، يستقيها من معايشة الناس ومقابلة أهل المكان.
هذه المهمة، كما وصفها، قد تستهلك عمرًا بأكمله، لكنها ضرورية لتقديم معرفة حقيقية غير منقوصة، خاصة وأن المعارف تظل ناقصة بدون “المعارف الأهلية والمحلية”.
سيناء: صراع الجغرافيا المقدسة
أفرد الكتاب قسمًا خاصًا لسيناء، وافتتح بها معتمد رحلته نظرًا للظروف الراهنة. تناول فيها مفهوم “الجغرافيا المفروضة” (Superimposed Geography)، موضحًا كيف قام جغرافيون أوروبيون قبل قرون، بدافع ديني مرتبط بالكنيسة، بإسقاط أسماء ومواقع من “سفر الخروج” على خريطة سيناء، مثل عيون موسى وجبل المناجاة وهضبة التيه.
وحذر معتمد من أن هذه الجغرافيا المقدسة التي كنا نحتفي بها تاريخيًا، أصبحت اليوم تمثل خطرًا سياسيًا؛ إذ تستخدمها إسرائيل كذريعة لإثبات حقوق تاريخية واستكمال مشروع “أرض إسرائيل التاريخية” من النيل إلى الفرات.
وأكد أن الصراع لم يعد جغرافيًا فحسب، بل امتد ليكون صراعًا على “تفسير الموروث الديني” وتوظيفه في الصراعات السياسية.

الصحراء الشرقية والغربية: مزيج الأركيولوجيا والحكايات
في رحلته عبر الصحراء الشرقية، كشف معتمد عن غيرة علمية دفعته للكتابة بعد ترجمته لكتب ضخمة شارك فيها عشرات العلماء الأجانب.
حاول في كتابه المزاوجة بين أحدث الأبحاث العلمية (الجيو-أركيولوجيا) وزياراته الميدانية لهضاب المعازة والعبابدة والبشرية.
أما الصحراء الغربية، فقدمها معتمد بمعالجة “خفيفة” تشبه فواتح الشهية، مستعرضًا رحلات “درب الأربعين” وعلاقة الصحراء بالأدب والسينما، مستشهدًا بأعمال إبراهيم الكوني وبهاء طاهر.
وأوضح أن الصحراء في الخيال العالمي بدأت تُختطف مؤخرًا، مشيرًا إلى محاولات إعادة تفسير المواقع الدينية لربطها بمشاريع معاصرة مثل “نيوم” في السعودية، مما يهدف لاستقطاب الخيال العالمي سياحيًا واقتصاديًا.
جغرافيا الفقر وفجوة المركز والأقاليم
لم تغب القضايا الاجتماعية عن الندوة، حيث تحدث معتمد بألم عن “جغرافيا الفقر” و”اللامساواة”. وضرب مثالًا صادمًا بالفجوة بين منطقة “الغرق” المظلمة في الفيوم، وبين “طوفان الأضواء” في مدينتي 6 أكتوبر ومول مصر، رغم أن المسافة بينهما لا تتجاوز 70 كيلومترًا.
هذا التباين الصارخ يعكس، في رأيه، استحواذ “المركز” (القاهرة والإسكندرية) على اهتمامات صانعي القرار، بينما تظل الأقاليم مهمشة وتعاني من تدهور الخدمات. وأكد أن مهمة الجغرافيا الحديثة هي البحث في هذا “التفاوت المكاني” من أجل تحقيق “عدالة مكانية”.
تفكيك أسطورة التجانس
من أبرز النقاط التي أثارت نقاشًا واسعًا هي مراجعة معتمد لنظرية “التجانس المصري” التي أرساها جمال حمدان. يرى معتمد أن القول بأن مصر نسيج واحد متجانس تمامًا هو حكم “مكتبي” عام. فالمشاهدات الميدانية تكشف عن اختلافات عميقة، وحساسيات بين القرى المتجاورة، وخصوصيات لغوية وثقافية (كما في النوبة أو عند البيجة) لا يجب اختزالها في مصطلح “جيوب” أو “أقليات”.
وأوضح معتمد أن استخدام مصطلح “أقلية” أصبح غير مقبول أكاديميًا لما فيه من انتقاص، ويفضل اليوم الحديث عن “المجموعات البشرية” أو “السكان المرتحلون” بدلاً من “البدو” أو “العربان”.
ختام: الجغرافيا كصحافة وإعلام
في ختام الندوة، شدد الدكتور عاطف معتمد على أن الجغرافيا ليست علمًا جامدًا يدرس في الجامعات فقط، بل هي “إعلام جغرافي” يجب أن يصل للمثقف العام والقارئ البسيط بلغة سلسة. وأشار إلى أن صفحته على الفيسبوك هي محاولة لتقديم “صحافة جغرافية” تستحضر لغة كبار المفكرين مثل محمد حسين هيكل باشا، الذي كان يجمع بين العلم والصحافة .
لمشاهدة فيديوهات د. عاطف معتمد بصالون تفكير اضغط هنا
للاستماع لتسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدت تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد