قرأت لك كتاب: الإحساسية – اختراع الوعي.. نيكولاس همفري… بقلم: عصام شبانة

عصام-شبانة-853x1024 قرأت لك كتاب: الإحساسية - اختراع الوعي.. نيكولاس همفري... بقلم: عصام شبانة

نيكولاس همفري، أستاذ علم النفس الفخري في كلية لندن للاقتصاد، عالم نفس نظري مقيم في كامبريدج، يدرس تطور الذكاء والوعي. تتنوع اهتماماته بشكل واسع. كان أول من أثبت وجود “العمى البصري” بعد تلف الدماغ لدى القرود، وأجرى أبحاثًا على غوريلا الجبال مع ديان فوسي في رواندا، واقترح النظرية الشهيرة “للوظيفة الاجتماعية للعقل”، كما بحث في الخلفية التطورية للدين والفن والشفاء والوعي بالموت. من بين جوائزه جائزة مارتن لوثر كينغ التذكارية، وميدالية بوفندورف، وجائزة العقل والدماغ الدولية. أحدث مؤلفاته كتابا “رؤية حمراء” و”غبار الروح”.

نيكولاس-همفري-1024x570 قرأت لك كتاب: الإحساسية - اختراع الوعي.. نيكولاس همفري... بقلم: عصام شبانة
Nicholas Humphrey

في كتابه يطرح نيكولاس همفري نظرية مثيرة للجدل حول كيفية تطور “الوعي” وأسبابه. في البداية يميز همفري بين معالجة المعلومات والإدراك الإحساسي (كاحمرار الوردة أو ألم اللسعة). يجادل بأن أسلافنا كانوا يمتلكون في الأصل نظامين منفصلين للتفاعل مع العالم:

  • الأول: الإحساس ( معالجة المعلومات): نظام موضوعي “بارد” يُستخدم لفهم ما يحدث في العالم الخارجي (مثلاً: “هناك جسم ما عند الساعة العاشرة”).
  • الثاني: الإدراك الإحساسي ( الإحساسية – التجربة الذاتية): نظام ذاتي “دافئ” يُستخدم لمراقبة ما يحدث للجسم (مثلاً: “أشعر بوخز في جلدي”).

تتمحور نظرية همفري حول تطور الوعي من خلال عملية يسميها “الاستبطان” والتي تنتج عنها حالة من ” الخصخصة” وهي المسؤولة عن الإحساسية (التجربة الذاتية). 

1. الفعل المنعكس: في الأصل، كان الحيوان يتفاعل مع المؤثر الخارجي برد فعل جسدي مباشر يتعامل به مع العالم من حوله.

2. الاستبطان: مع مرور الوقت، أصبحت بعض هذه الاستجابات “موجهة داخليًا”. فبشكل مستقل عن رد الفعل الخارجي التفاعلي مع العالم، بدأ الدماغ بإرسال إشارات داخلية إلى نسخة افتراضية من الجسم داخل الجهاز العصبي. 

3. حلقة التغذية الراجعة: بدأ الدماغ “بقراءة” إشارات رد الفعل الداخلية المستبطنة الصادرة منه. وقد أدى ذلك إلى إنشاء حلقة تغذية راجعة متكررة حيث يتحدث الدماغ مع نفسه بشكل أساسي حول إحساسه بشكل مستقل عن العالم الخارجي. 

هنا تنشأ الإحساسية (التجربة الذاتية). 

ولأن هذه الحلقات المستبطنة متكررة (حيث يراقب الدماغ ردود أفعاله الداخلية)، فإنها تخلق وهم “شعور” أو “إحساسية” لا وجود له إلا بالنسبة للشخص نفسه (مستقل عن ردود الفعل الخارجية) وهو ما سماه همفري بعملية “الخصخصة”. 

يشير همفري إلى أن حلقات التغذية الراجعة هذه تخلق الجودة “الظاهراتية” للوعي – الشعور بأن أحاسيس التجربة الذاتية لها جودة كثيفة وسحرية و”لا يمكن وصفها”.

نادراً ما يحتفظ التطور بالصفات المكلفة (في تكوينها وفي استهلاكها للطاقة) إلا إذا كانت توفر ميزة للبقاء. يجادل همفري بأن الوعي ليس مجرد نتاج ثانوي؛ بل يخدم غاية بيولوجية: فهو يضفي معنىً على الحياة: 

  • أولا: الحفاظ على الذات: من خلال جعل الأحاسيس تبدو “سحرية” وشخصية للغاية، ضمن التطور أن تُقدّر الحيوانات حياتها بشكلٍ أكبر ويشجعها على العناية بأجسادها. 
  • ثانيا: وهم “الروح”: تمنحنا الإحساسية انطباعًا بأن لدينا “ذاتًا” داخلية أو روحًا. وهذا يشجعنا على التعامل مع العالم بشعورٍ بالهدف والقدرة على التأثير.

فيما يتعلق بالكائنات غير البشرية يتبنى همفري في نظريته وجهة نظر أكثر تقييدًا مقارنةً بنظريات الوعي الأخرى. فهو يعتقد أن الوعي يتطلب نوعًا محددًا من بنية الدماغ المعقدة القادرة على إنتاج “حلقات التغذية الراجعة” للوعي. 

نظرية “ذوي الدم الحار”: يقترح أن الإحساس قد نشأ على الأرجح في الطيور والثدييات، مدفوعًا بمتطلبات الطاقة العالية لذوات الدم الحار، الأمر الذي تطلب مراقبة جسدية داخلية أكثر تطورًا.

بينما يتشكك همفري في أن الحشرات أو الرخويات (مثل الأخطبوطات) أو الذكاء الاصطناعي الحالي يمتلك وعيًا حقيقيًا، لأنهم قد يفتقرون إلى حلقات التغذية الراجعة المتكررة المحددة التي تخلق “وهم” الإحساسية.

في كتابنا اليوم يعتقد نيكولاس همفري أن الوعي ليس نافذة على الواقع بقدر ما هو عرض داخلي “ساحر” ابتكره الدماغ ليجعلنا نهتم ببقائنا على قيد الحياة ويجعلنا أكثر كفاءة في تعاملنا مع العالم.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات