كتاب “تفكيك السلفية”: بين قوة التفسير السوسيولوجي وأزمة الإثبات التاريخي… بقلم: أشرف قنديل

havt كتاب "تفكيك السلفية": بين قوة التفسير السوسيولوجي وأزمة الإثبات التاريخي... بقلم: أشرف قنديل

يُحاول كتاب «تفكيك السلفية: تحوّلاتها وتحوّراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال» تقديم مقاربة جادة لفهم التحولات الفكرية التي شهدتها السلفية المعاصرة، ورصد المسارات التي قادت بعض فروعها من الحقل العلمي الدعوي إلى الحقل الحركي والجهادي. حيث تقوم الأطروحة المركزية للكتاب على فرضية مفادها أن ما يسميه المؤلف بـ«الألبانية» (نسبة إلى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني) قد تداخلت مع «القطبية» (نسبة إلى سيد قطب)، وأن هذا التداخل كان أحد الشروط التاريخية والفكرية التي أفضت إلى ظهور السلفية الجهادية بصيغتها المعاصرة. ويذهب المؤلف إلى أن الألباني أعاد تشكيل البنية المعرفية للسلفية التقليدية عبر منهج نقدي حديثي يقوم على تحرير النص من سلطة التقليد المذهبي، بينما قدم سيد قطب البعد الحركي والسياسي من خلال مفاهيم الحاكمية والجاهلية والمفاصلة، لينتج عن تفاعل المسارين نموذج فكري جديد تجاوز السلفية التقليدية والحركية الإسلامية معاً.

غير أن تقييم هذه الأطروحة يقتضي التمييز بين مستويين مختلفين هما المستوى السوسيولوجي التفسيري من جهة، والمستوى التاريخي والفكري الإثباتي من جهة أخرى.

أولاً: قوة التفسير السوسيولوجي

         تكمن أهم نقاط القوة في الكتاب في تجاوزه الصورة التبسيطية التي تنظر إلى السلفية بوصفها تياراً واحداً متجانساً. فالكاتب يبرز التعدد الداخلي للسلفيات المعاصرة، ويحاول تفسير نشأة السلفية الجهادية بوصفها نتيجة تفاعل بين مكونات عقدية وفقهية وسياسية متباينة. فمن الصعب إنكار أن عدداً من أبرزمنظري السلفية الجهادية جمعوا بالفعل بين مرجعيتين مختلفتين هما المرجعية الحديثية السلفية المتأثرة بالألباني، والمرجعية السياسية الثورية المتأثرة بسيد قطب. فشخصيات مثل أيمن الظواهري وأبو محمد المقدسي تمثل بالفعل نماذج لعملية تهجين فكري بين السلفية الأثرية والحركية القطبية.

ومن هذه الزاوية يبدو تفسير المؤلف مقنعاً؛ إذ يفسر كيف اجتمعت داخل بعض الحركات الجهادية عناصر لم تكن مجتمعة في الأصل داخل أي من المدرستين منفردة. فالسلفية الجهادية ليست مجرد امتداد مباشر للسلفية العلمية، كما أنها ليست نسخة مطابقة للقطبية، بل هي نتاج إعادة تركيب بين عناصر مختلفة.

ثانياً: أزمة الانتقال من الوصف إلى الإثبات

تكمن الإشكالية المنهجية الأساسية في الكتاب في انتقاله أحياناً من ملاحظة صحيحة إلى استنتاج لا يلزم عنها بالضرورة. فكون بعض الجهاديين قد أخذوا علم الحديث والمنهج الأثري عن الألباني، وأخذوا التصور السياسي الثوري عن سيد قطب، لا يثبت بالضرورة وجود تقارب فكري بين الألباني وقطب نفسيهما. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«مغالطة الانتساب غير المباشر»، أي نسبة نتائج التفاعل بين الأفكار إلى أصحاب تلك الأفكار أنفسهم. فالتاريخ الفكري مليء بأمثلة لأفكار التقت لاحقاً داخل حركات جديدة رغم أن أصحابها الأصليين كانوا مختلفين أو حتى متعارضين. ولذلك فإن إثبات نشأة السلفية الجهادية من تفاعل عناصر ألبانية وقطبية لا يعني إثبات وجود توافق أو تماهي، فضلا عن وجود تحالف أو حتى تقارب بين الألباني وسيد قطب.

الألباني والقطبية: تقاطع أم تباين؟

هل يصح القول بأن الألباني وفّر غطاءً شرعيًا للقطبية؟ وهل تحتاج -أو سعت- القطبية أصلاً لمثل هكذا غطاء وهي التي تستخف بـ “العلم الشرعي” وتؤمن بسمو “المقاتل” على “العالم” وأحقيته وحده في قيادة العمل الجهادي بناء على مقولة “لا يفتي قاعد لمجاهد” المستمدة من قناعتها بـ “أسبقية الجهاد على الفقه” والمجسدة في قاعدته المنهجية “الجهاد منتجًا للفقه”.

عند الرجوع إلى النصوص الأصلية للألباني تظهر صورة أكثر تعقيداً من تلك التي يوحي بها الكتاب فالثابت في تسجيلات الألباني وفتاواه أنه انتقد سيد قطب في عدد من المسائل العقدية التي كان يعدها جوهرية، منها على سبيل المثال بعض تأويلات قطب للصفات الإلهية، وبعض عباراته المتعلقة بوحدة الوجود التي انتقده بسبها الألباني بشدة اعتبرها البعض كعبد الله عزام تكفيراً من الألباني لسيد قطب1، لكن المعروف عن الألباني أنه كان يقول إن ورود بعض العبارات كفرية أو باطلة عن شخص لا تستلزم دائماً تكفير صاحبها، بالإضافة إلى ذلك كان ثناء قطب على شخصيات صوفية وتاريخية يُعد نقدها محل إجماع عند كامل التيار السلفي بمن فيه الألباني سبب آخر للمفاضلة بين الرجلين. فضلاً عن نقد الألباني لبعض التصورات المرتبطة بالجاهلية والحاكمية عند قطب، وقد تكررت هذه الانتقادات في لقاءات سلسلة الهدى والنور وفي عدد من فتاواه ومراسلاته وتسجيلات متداولة بين تلامذته. والأهم من كل هذا وذاك هو أن مشروع الألباني “الإصلاحي” كان يقوم على مبدأين هما (التصفية والتربية) أي تصفية الموروث الديني مما يراه بدعاً وأحاديث ضعيفة، ثم تربية المجتمع على العقيدة الصحيحة قبل أي حديث عن التغيير السياسي، أي يقوم بالأساس على إصلاح العقيدة والعلم الشرعي أولًا، وليس على المواجهة السياسية وبناء الطليعة الثورية وهما أساس التغيير عند سيد قطب الذي ينطلق من رؤية مختلفة تجعل إعادة بناء النظام السياسي ومواجهة الجاهلية المعاصرة نقطة البداية في عملية التغيير. ومن ثم فإن الخلاف بين الرجلين لم يكن خلافاً فرعياً أو تكتيكياً، بل خلافاً حول طبيعة الأزمة نفسها وطريق الإصلاح.

الحاكمية والجاهلية: مجرد تشابه لفظي أم وحدة فكرية؟!

ربما كانت التدقيق في مفهومي الحاكمية والجاهلية عند الألباني وقطب من أكثر نقاط الكتاب إثارة للنقاش. فالقول بأن الألباني تبنى مفاهيم قطبية أو حتى تأثر بها فيما يتعلق بالحاكمية والجاهلية يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق المنهجي. فغني عن البيان أن استعمال المصطلح لا يعني بالضرورة تبني النسق الفكري الذي ينتمي إليه. فالحاكمية عند سيد قطب غير الحاكمية عند الألباني. فهي عند قطب قد أصبحت إطاراً تفسيرياً شاملاً للمجتمع والدولة والتاريخ، ومفتاحاً لفهم الصراع بين الإسلام والجاهلية المعاصرة، أما عند الألباني فلم تتجاوز إطارها “التقليدي” بوصفها جزءاً من وجوب تحكيم الشريعة وتحقيق توحيد الله، دون أن تتحول إلى نظرية سياسية ثورية مستقلة. بل إن الألباني كان من أبرز المعارضين لفكرة جعل الحاكمية قسماً رابعاً من أقسام التوحيد، والخروج على التقسيم التيمي الثلاثي للتوحيد، ذلك الخروج الذي يميز الاتجاه الشائع في بعض الأوساط المتأثرة بالإسلام السياسي القطبي. وغني عن الذكر أيضاً بإن التشابه اللفظي وحده لا يكفي لإثبات التشابه أو حتى التوافق البنيوي/المعرفي بين المشروعين.

حقيقة الخلاف بين الألباني والمدخلي: اختبار عملي لأطروحة الكتاب

يمثل الخلاف بين الألباني وربيع بن هادي المدخلي حول طريقة التعامل مع انحرافات سيد قطب2 اختباراً مهماً لأطروحة الكتاب فلو كانت العلاقة بين الألباني والقطبية علاقة تقارب فكري حقيقي، لكان من المتوقع أن يقف الألباني إلى جانب سيد قطب في مواجهة ربيع المدخلي، لكن الواقع كان أكثر تعقيداً. فلقد اتفق الألباني والمدخلي على وجود أخطاء عقدية خطيرة في بعض كتابات سيد قطب، وعلى ضرورة نقد هذه الأخطاء، إلى جانب اتفاقهما على عدم اعتبار سيد قطب مرجعاً عقدياً للسلفيين بأي حال من الأحوال. لكن الخلاف بينهما انحصر في طريقة التعامل مع الرجل الذي أُعدم -وليس مع أفكاره- وفي تقييم آثار أخطاءه. فبينما جعل المدخلي نقد شخص3 سيد قطب محوراً رئيسياً في عدد من مؤلفاته4، لم يجعل الألباني هذه القضية مركز مشروعه العلمي. كما أن الألباني لم يُعرف عنه تكفير سيد قطب أو إخراجه من الإسلام، بل كان أقرب إلى التفريق بين الخطأ وصاحبه، وبين نقد الأفكار والحكم على الأشخاص. وهذا يكشف أن العلاقة بين الألباني والمدخلية لم تكن علاقة تطابق كامل، كما أن موقفه من قطب والقطبية لم يكن موقف اندماج أو تحالف أو حتى توافق فكري. أما ظهور تيارات جهادية قطبية لاحقة تدعي وصلاً بالألباني والألبانية فهذا لا يُعد دليلاً بأي حال من الأحوال على أن الألباني نفسه هو الذي أنشأ هذا التركيب أو حتى دعا إليه.

علاقة الألباني بالسياسة

من النقاط التي تحتاج إلى مزيد من التدقيق في الكتاب توصيف المشروع الألباني بوصفه مشروعاً ذا مضمون سياسي قريب من القطبية. فالوثائق المتاحة تشير إلى أن الألباني كان أقرب إلى نموذج الإصلاح الاجتماعي المحافظ منه إلى نموذج التغيير السياسي الثوري. ففي حين جعل سيد قطب النظام السياسي نقطة الانطلاق في مشروع التغيير، جعل الألباني العقيدة والعلم والتربية نقطة البداية، وكان الألباني شديد التحفظ تجاه الثورات والعمل المسلح والصدام السياسي المباشر، بينما احتلت مفاهيم الحركة والطليعة والمواجهة موقعاً مركزياً داخل المشروع القطبي. ولهذا يصعب اعتبار الألباني منظّراً سياسياً قريباً من القطبية، حتى لو أسهمت بعض أفكاره العلمية بصورة غير مباشرة بعد ذلك في تكوين البيئة الفكرية التي خرجت منها تيارات أخرى لاحقاً.

الخاتمة

يُحاول الكتاب تقديم مقاربة أو دراسة تفسيرية لفهم التحولات العميقة داخل السلفية المعاصرة، وهو يحقق نجاحاً ملحوظاً في توصيف عملية التلاقح أو التهجين الفكري التي أسهمت في تشكل السلفية الجهادية. وتكمن قوته الأساسية في تحليله السوسيولوجي لمسار انتقال بعض الأفكار من فضاء الدعوة والعلم إلى فضاء الحركة والجهاد، وفي كشفه عن التفاعلات المعقدة بين السلفية العلمية والحركية الإسلامية. غير أن الكتاب يصبح أقل إقناعاً عندما ينتقل من تفسير تشكل الحركات إلى إثبات وجود تقارب فكري مباشر بين الألباني وسيد قطب. فالنصوص الأصلية للألباني، ومواقفه من الحاكمية والجاهلية والثورة، وسجالاته مع القطبيين والسروريين، وتفاصيل خلافه مع ربيع المدخلي حول حدود الحكم على سيد قطب، كلها تشير إلى أن العلاقة بين الألباني والقطبية كانت في جوهرها علاقة نقد وتحفظ أكثر منها علاقة توافق أو اندماج أو تحالف فكري. أما حقيقة أن كثيرًا من رموزالسلفية الجهادية قد أخذوا من الألباني أدوات الحديث والأثر، وأخذوا من سيد قطب الرؤية الحركية والثورية، فلا نفي كون أن الألباني نفسه كان يعترض على كثير من الأسس التي قامت عليها تلك الرؤية.

وبناءً على ذلك يمكن القول إن الاستنتاج الأكثر توازنًا هو أن السلفية الجهادية نشأت من تفاعل عناصر ألبانية وقطبية داخل الحركات الإسلامية المعاصرة، لكن هذا لا يعني أن الألباني نفسه كان لديه ميول قطبية، ولا أنه وفّر الغطاء النظري للمشروع القطبي كما توحي بعض مواضع الكتاب، فكثيراً من نصوص ومواقف المدرستين تدل على مسافة فكرية معتبرة بين المشروعين رغم ما وقع لاحقاً من تداخل بين بعض أتباعهما.

______________________

  1. هذه نقطة مهمة لأنها تكشف مقدار التباعد الحقيقي بين الألباني وسيد قطب، وتوضح أيضاً أن أطروحة “التداخل الألباني-القطبي” تحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق التاريخي. ↩︎
  2. رابط فيديو “الشيخ الألباني يبيّن الشدّة في ردود ربيع المدخلي على سيد قطب” ↩︎
  3. يعتبر ربيع بن هادي المدخلي “حامل لواء الجرح والتعديل في هذا العصر” بحسب وصف الألباني له، فقد قال (“حامل راية الجرح والتعديل في هذا العصر أخونا الدكتور ربيع”)! ↩︎
  4. كتاب أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره، وكتاب مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله ﷺ، وكتاب الحد الفاصل بين الحق والباطل، وكتاب العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم. ↩︎

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات