من الشعر الجاهلي إلى المجتمع الجاهلي.. محمد دوير مع إيمان رفاعي بصالون تفكير

بقلم: نور البطاوي صحفي بمجلة “تفكير”

في أجواء فكرية ممتلئة بالأسئلة الوجودية حول مسار التحديث في مصر، نظم “صالون تفكير” ندوته الثالثة عشرة ضمن موسم فكري خاص بمناسبة مرور مائة عام على صدور كتاب “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب العربي طه حسين. الندوة، التي أدارتها المهندسة إيمان رفاعي، استضافت المفكر الدكتور محمد دوير في جلسته الثانية التي حملت عنواناً لافتاً وصادماً في آن واحد: “من الشعر الجاهلي إلى المجتمع الجاهلي”.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 من الشعر الجاهلي إلى المجتمع الجاهلي.. محمد دوير مع إيمان رفاعي بصالون تفكير

لقد كان هدف الندوة، كما لخصته المهندسة إيمان، هو الانتقال من المقدمات الأكاديمية التي ناقشت بنية أزمة عام 1926، إلى البحث في “الحصاد المر” لتلك الأزمة، وكيف تحول المنجز المعرفي الذي أراد تأسيس عقلانية نقدية تنظر للمستقبل إلى “نظرية مضادة” تخلف اليقين العقائدي. بعبارة أدق، بحثت الندوة كيف وصلنا من نقد مادة أدبية (الشعر الجاهلي) إلى استخدام مفهوم “المجتمع الجاهلي” كأداة للتكفير والقطيعة مع العصر.

ثلاثة مشاهد سينمائية لتشخيص الأزمة

استهل الدكتور محمد دوير حديثه برسم ثلاثة مشاهد تاريخية وتحليلية، شبهها بمشاهد السينما، لتشكل أرضية لفهم التحولات الفكرية في مصر.

d8acd985d8a7d984-d8a7d984d8afd98ad986-d8a7d984d8a3d981d8bad8a7d986d98a من الشعر الجاهلي إلى المجتمع الجاهلي.. محمد دوير مع إيمان رفاعي بصالون تفكير

المشهد الأول: ذاكرة التكفير. أكد دوير أن الذاكرة الإسلامية مشحونة بقدر كبير من عمليات التكفير المتبادلة منذ حروب الردة، مرورا بالخوارج الذين كفروا الحاكم، وصولاً إلى تكفير السلطة لعدد من المفكرين مثل ابن الراوندي والجاحظ. هذا المشهد يوضح أن بذور التكفير والتكفير المضاد مغروسة بعمق في التاريخ.

المشهد الثاني: لغز الأفغاني وفشل عبده. انتقل دوير إلى جمال الدين الأفغاني، واصفاً إياه بأنه المؤسس الحقيقي لنظرية “تنظيم الإسلام” ورسم خريطة المشروع الإسلامي السياسي والثوري. في المقابل، يبرز مشروع الإمام محمد عبده الذي حاول الإصلاح من داخل الأزهر، لكنه فشل. هذا الفشل، بحسب دوير، هو الذي دفعنا ثمنه غاليًا، إذ جعل الأزهر في حالة ضعف وعدم قدرة على التطوير، مما أفسح المجال لظهور تيارات تنافسه في دوره الشعبي.

المشهد الثالث: سؤال القرن العشرين. يرى دوير أن مصر دخلت القرن العشرين فعلياً في عام 1919، حيث تبلورت مفاهيم الهوية والوطن والمواطنة. وانتهى هذا القرن “إكلينيكياً” في يناير 2011، عندما أُجهضت التجربة الحداثية بسيطرة الإسلاميين على المشهد السياسي. وتساءل دوير بدهشة: “كيف بدأنا مع ليبرالية سعد زغلول وانتهينا مع جماعة الإخوان المسلمين؟”.

1926: بالونة اختبار فشلت فيها الحداثة

اعتبر الدكتور دوير أن معركة كتاب “في الشعر الجاهلي” عام 1926 لم تكن مجرد معركة أدبية، بل كانت “بالونة اختبار” لقيم الحداثة في مصر. وتساءل: هل كانت المادة الحداثية التي ادخرتها مصر كافية لتحمل منهج الشك الذي طرحه طه حسين؟ وجاءت الإجابة قاسية؛ فقد فشلت التجربة.

d8b7d987-d8add8b3d98ad986 من الشعر الجاهلي إلى المجتمع الجاهلي.. محمد دوير مع إيمان رفاعي بصالون تفكير

هذا الفشل كشف عن أن إصلاح الأزهر كان شكلياً وإدارياً فقط، ولم يمس جوهر الفكرة أو دور الأزهر كمنظم بين الدين والمجتمع. كما كشف عن عدم استعداد قطاع واسع من المثقفين للغوص بعيداً في بحر الحداثة. ومع فشل الأحزاب الليبرالية والاشتراكية في التعبير عن وجدان الشعوب، برز التيار الإسلامي السياسي بقيادة حسن البنا عام 1928 ليسد الفراغ الذي تركه الأزهر المنشغل بالمسائل الشكلية.

سيد قطب: من الرومانسية الأدبية إلى الراديكالية الصدامية

توقف الدكتور دوير طويلاً عند شخصية سيد قطب، معتبراً إياه “المعادل الموضوعي” لطه حسين في الاتجاه المضاد. حلل دوير تحول قطب من ناقد أدبي متأثر بالمدرسة الرومانسية وتلميذ للعقاد، إلى مفكر راديكالي. وأرجع هذا التحول إلى طبيعة “الفكر الرومانسي” الذي لا يقبل أنصاف الحلول ويبحث دائماً عن “المدينة الفاضلة”؛ فعندما يصطدم هذا الفكر بالواقع، يتحول مباشرة إلى الراديكالية.

d8b5d988d8b1d8a9-d8b3d98ad8af-d982d8b7d8a8 من الشعر الجاهلي إلى المجتمع الجاهلي.. محمد دوير مع إيمان رفاعي بصالون تفكير

لقد نقل قطب أفكار المودودي حول “الحاكمية” إلى مصر، لتبدأ مرحلة جديدة من الصدام العنيف مع الدولة. وأكد دوير أن صدام ثورة يوليو مع الإخوان لم يكن استثناءً، بل كان صداماً بين “عقليتين عقائديتين” (القومية والإسلامية) لا تقبلان فكرة “الجوار” أو التعدد.

المجتمع الجاهلي: حين يصبح التفكير تكفيراً

في الجزء الأكثر حساسية من الندوة، ناقش دوير كيف تحولت الدعوة إلى “التفكير” عند طه حسين إلى دعوة لـ “التكفير” عند سيد قطب وشكري مصطفى. لقد روج قطب ومحمد قطب لفكرة أن كل ما حدث في القرن العشرين (من ليبرالية وقومية وإصلاحات) ليس له قيمة لأننا لا نحكم بالشريعة، واصفين المجتمع بأنه “مجتمع جاهلي”.

ولفت دوير النظر إلى مفارقة غريبة: هؤلاء الذين هاجموا طه حسين دفاعاً عن “قدسية” العصر الجاهلي وصدق شعره، هم أنفسهم الذين استخدموا مصطلح “الجاهلية” لاحقاً لوصف المجتمع المصري المعاصر وتحقيره.

أزمة الهوية.. هل نعيش في الماضي؟

شهدت الندوة مداخلات ثرية من الحضور. فقد طرح أحمد خفاجي سؤالاً محورياً: “هل الإسلام السياسي أصيل في المجتمع أم مجرد رد فعل لفشل الدولة؟”. وأجاب دوير بأن “الإسلام السياسي” هو رد فعل سياسي، بينما “الإسلام” كفكر وعقيدة هو المكون الأصيل. وأضاف أن نجاح الإسلام السياسي في الانتشار يعود لفشل مشروع محمد عبده في الأزهر، مما جعل الناس لا تجد من “ينزل إليها في شوارعها” سوى كوادر الجماعات الإسلامية الذين لعبوا دور “المثقف العضوي”.

وفي مداخلة للأستاذة أمل عبد الحميد حول سؤال الهوية، انتقدت ربط الهوية دائماً بالماضي (سواء الماضي الإسلامي أو الفرعوني). وعقب دوير بأن الهوية يجب أن تتشكل من أجل المستقبل لا من أجل الماضي. وحذر من أن تسليم الهوية للفقهاء يعني أن يتحكموا في كل تفاصيل حياة الإنسان: “ماذا تأكل، وكيف تنام، ومن تكفر”.

 البحث عن مخرج

أنهى الدكتور محمد دوير ندوته بلمحة نقدية للمؤسسات التعليمية، مشيراً إلى أن الجامعة المصرية، التي تأسست عام 1925 لتكون منارة للحداثة، سقطت في فخ “الحفظ والتلقين” الأزهري، مما أنتج عقولاً تابعة غير قادرة على النقد.

لقد كانت الندوة رحلة كاشفة ومؤلمة في آن واحد، وثقت كيف تعثرت خطى التنوير في مصر على مدار 180 عاماً (منذ رفاعة الطهطاوي وحتى نصر حامد أبو زيد)، حيث نجد أنفسنا نكرر نفس المعارك ونفس الردود وكأن الزمن قد توقف.

d986d8b5d8b1-d988d8a7d8a8d8aad987d8a7d984-1024x576 من الشعر الجاهلي إلى المجتمع الجاهلي.. محمد دوير مع إيمان رفاعي بصالون تفكير

غادرنا صالون “تفكير” ونحن نحمل تساؤلاً ثقيلاً: هل يمكن للأمة أن تقفز نحو المستقبل وهي ما تزال مسكونة بصراعات الماضي؟ الإجابة تكمن في قدرتنا على تأسيس “مجتمع تعددي حر” يسمح للناس بالتعبير عن هوياتهم دون خوف من “تكفير” أو “إقصاء”.

لمشاهدة فيديوهات د. محمد دوير بصالون تفكير اضغط هنا

لمشاهدة تسجيلات موسم قرن من في الإسلام وأصول الحكم اضغط هنا

للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات