القرآن في الأدب العربي ما قبل العصر الحديث .. دانيلو مارينو… ترجمة: عماد السعيد

هناك أُلفة عميقة بين الدين والأدب على المستوى الشكلي،لأن كلاهما من ناحية يمتلك توجهاً سردياً، أي أن كلاهما يحكي ويقص القصص، ويحوّل الخيال الثقافي والاجتماعي إلى كلمات، ويعطي معنى للأساطير، ويثبّت أو يهدم القيم والرموز، ويعطي بنية سردية لوجود الإنسان في العالم. ومن ناحية أخرى، يستفيد الدين والأدب من القوة الإيحائية للكلمة عبر اختيار مجموعة معقدة من الصور البلاغية والآليات الأسلوبية. إن في جذور هذه الأُلفة تكمن معايير ذات طابع بنيوي ورمزي على حدٍ سواء: إذ إنّ الدين والأدب يتبنّيان تصورًا خطابيًا للوجود، وكلاهما يعمل وفق آفاق وجودية تقوم على الاستباق والانتظار، ويستكشفان بالطريقة نفسها العالم الظاهري (الفينوميني) والعالم المتعالي (النوميني)، وذلك أيضًا عبر عمليات متناوبة من تأليه وتشييء للتجربة الحسية والمتعالية.

d8b9d985d8a7d8af-d8a7d984d8b3d8b9d98ad8af القرآن في الأدب العربي ما قبل العصر الحديث .. دانيلو مارينو... ترجمة: عماد السعيد

إنّ مناقشة العلاقة بين الأدب والدين الإسلامي، وبصورة خاصة بين الأدب العربي والقرآن، تعني التأمل في جملة من القضايا: 1- إلى أيّ مدى يُعدّ القرآن، وكذلك الأحاديث النبوية وهي أقوال وأفعال النبي التي رواها أصحابه وجمعها علماء الحديث يمكن اعتبارهما نتاجًا أدبيًا، 2- وإلى أيّ مدى وبأيّ شكل استمدّ الوحي من التراث الأدبي السابق على نبوة محمد، أي ما نوع التأثير الذي مارسته النصوص الدينية والأدبية اليهودية-المسيحية، وكذلك الشعر العربي في العصر الجاهلي على القرآن؛ 3- ما نوع الخطاب الذي استخدمه القرآن والأحاديث للإشارة إلى الأدب عمومًا، وإلى الشعراء على وجه الخصوص وأخيرًا، 4- ما نوع التأثير الذي مارسه النصّ المقدّس للإسلام في تطوّر الأدب العربي.

إنّ كلّ واحدة من هذه الإشكاليات تتطلّب نقاشًا موسّعًا لا تسمح به حدود مقالة واحدة. لذلك فضّلتُ التركيز على النقطتين الأخيرتين (3 و4)، فبحثتُ بمزيد من التفصيل أولًا في عقيدة الإعجاز القرآني، ثم في حضور النصّ المقدّس للإسلام في الأدب العربي، ولا سيّما في الشعر والقصص الأدبي الهزلي بالمرحلة ما قبل الحديثة، وصولًا إلى استخلاص استنتاجات ذات طابع عام حول العلاقة بين الأدب الهزلي والإسلام والدين.

يستحق الحديث عن جانبٍ منفصل كلّ من الشعر الزهدي من جهة، والشعر الصوفي من جهة أخرى. وقد يكون هذا الأخير هو الأكثر تمثيلًا للعلاقة بين الدين والأدب، إذ إن الأول يمثل raison d’être (سبب الوجود أو الغاية الجوهرية) للثاني. ويركّز هذا المقال حصريًا على الأدب الدنيوي، ومع ذلك من المثير للاهتمام ملاحظة أنّ التجربة الصوفية في جوهرها، وخاصة التجربة الصوفية، تقع على النقيض تماما لممارسة الأدب في الثقافة العربية ما قبل الحديثة. فليس فقط أنّ الممارسات التعبدية للصوفيين تؤكّد الطابع الانفرادي الانعزالي، أو غير الاجتماعي أو النخبوي، ولاسيما الباطني للطريق، بل إنها تُظهر أيضًا سعيًا فرديًا وشخصيًا دقيقًا للتجربة التي تُفني الذات في الإله. وهذا ما يتعارض والتحقق الاجتماعي والنرجسي للشاعر، ضمن حدود الأعراف وامتلاك المهارة الأدبية والشعرية. ومن المثير للاهتمام أيضًا أن نلاحظ أنّه إذا كان الشعر يستعين أحيانًا بالوصف القرآني أو بالأفكار اللاهوتية للتعبير غالبًا عن محتوى دنيوي، فإن مؤلَّفات الصوفيين تستخدم، على العكس، صورًا وتعبيرات شعرية دنيوية، وبخاصة تلك المتعلقة بالشعر الهزلي وشعر المجون. كاستعارة لنقل محتويات متعالية، وهي صور تعبّر عن شغف الفرد بالإله، الذي يتوج نهاية المطاف في هذه الحالة بالاتحاد الصوفي، أي فناء الفرد واندماجه في الألوهية.

1

لتعيين هذه الإشكاليات بشكل أفضل، من الضروري أولًا استعراض التاريخ “التحريري” للنص المقدس للإسلام. لقد أُنزِل القرآن على محمد بين عامَي 610 و632، وهو عام وفاته. خلال هذه السنوات الاثنتين والعشرين، إن النبي، الذي كان  وفقا للتراث الإسلامي أميّا، يتلو على صحابته الآيات التي كان يتلقاها من وقت لأخر، أو بالأحرى كانت “تَنْزل” عليه عبر وسيط الملاك جبرائيل. وبالتالي، فإن القرآن، مِثل جزء كبير من النصوص التي أُنتجت وتُرِكَت في جزيرة العرب ما قبل الإسلام، أُنزِل في بيئة تتميز أساسًا بالنقل الشفاهي. ومع ذلك، إلى جانب هذا الأساس الوثني وغير المكتوب، كان هناك العرافين (الكهان)، الذين ذمّهم القرآن كثيرًا {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} (الطور: 29)؛ {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (الحاقة: 42). لكن أسلوبهم يمكن تمييزه بوضوح في المقاطع المسجوعة الواردة في السور الأولى كما أن التقليد اليهودي-المسيحي، أي قصص العهد القديم والجديد، قد تم أيضًا استيعابه ودمجه في النص، إلى درجة أن القرآن يُقدَّم باعتباره آخر كتاب مقدس مُنزّل، ومحمد خاتم الأنبياء الكتابيين.

كان صحابة النبي الأوائل هم من قاموا بتدوين الآيات المختلفة على وسائط متوفرة لديهم، ما كانوا يسمعونه من تلاوة النبي مباشرة. وكان الهدف، بالطبع، الحفاظ على موثوقية الوحي وحمايته من النسيان أو محاولات تخريب أعداء الجماعة الإسلامية الناشئة. وهكذا، بدأ بعض أتباع محمد بتجميع السور في نص موحد، إلى درجة أنه عند وفاة النبي كانت هناك عدة نسخ متداولة مما سيُعرف لاحقًا باسم القرآن، والذي يعني حرفيًا “التلاوة” أو “القراءة المتلوة” كان هذا الجمع، الذي أُطلق عليه اسم المصاحف، لصحابة النبي، شائع جدًا في السنوات الأولى بعد وفاة محمد. وعلى الرغم من أن هذه النسخ كانت متشابهة جدًا من حيث البنية الداخلية وترتيب الآيات، إلا أن فروقًا كانت موجودة بين مصحف وآخر، دون أن تتغير الرؤى الأساسية والمفاهيم الأخروية التي أوحاها محمد. وكانت هذه الفروق تتعلق بشكل أساسي بـ: موضع النقاط الإعجامية، واختيار الحركات الصوتية  الموضوعة على الشكل الصامت للحروف. ووفقًا للتقليد الذي تقبله الغالبية العظمى من الباحثين، قرر الخليفة الثالث، عثمان، حوالي عام 650، والذي كان أحد صحابة محمد، توحيد النص القرآني. وقد كُلّف في ذلك مجموعة من الخبراء لوضع نص واحد اعتمادًا على النسخ المختلفة الموجودة آنذاك. ومن الواضح أن عملية عثمان كانت تهدف إلى إزالة الاختلاف النصي الناتج عن طابع الشفهية البدوية، لصالح عملية توحيد مكتوبة ورسمية، وهو انعكاس لـ الحياة الجديدة المستقرة والمركزية من المنظور السياسي. وقد نُشرت هذه النسخة الموحدة في جميع أنحاء الدولة الإسلامية الناشئة، حيث نُسخت واعتمدت كنص وحيد للدين الإسلامي، بينما تم إتلاف النسخ الأخرى “المنافسة”.

ومع ذلك، إذا كانت سياسة توحيد النص القرآني التي انتهجها عثمان لتقليص الاختلافات النصية مجدية بلا شك، فإن نوعًا معينًا من الاختلاف ما زال قائمًا على الأقل في مستوى النطق وقراءة النص المقدس، دون أي تأثير كبير على المعنى، ولا يزال قائمًا حتى يومنا هذا. فإذا كان النص المكتوب (المقدس) يمحو كل اختلاف لصالح الوحدة والمساواة، فإن النص الشفهي (المقدس)، بالمقابل، يعزز الاختلاف، ويضاعف الفروق، مما يخلق غموضًا وبالتالي نوعًا من الفوضى. ولهذا، أمام وضع قد يكون مُفرِّقًا، لأن بعض القراءات كانت تُعتبر موثوقة نظرًا لقرب ناقلها أو حاملها من النبي، لم يتردد بعض المفسرين المسلمين في اعتماد سبع قراءات بوصفها قراءات معترف بها، كابن مجاهد (توفي 324 هـ / 936 م)، حتى وصل الأمر إلى أربع عشرة قراءة حسب ما ذكره البنا (1117 هـ / 1705 م). وبهذه الطريقة، أعاد العلماء المسلمين ربط القرآن بتقاليده كنص متوارث شفهيًا، مسترجعين بذلك عددًا من القراءات التي كانت تكشف عن الأصل غير المكتوب للوحي.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات