صالون تفكير يختتم 42 ندوة في موسم الربيع بندوة العالم الجليل د. عبد الباسط هيكل عن الشيخ عبد المتعالي الصعيدي

كتب نور البطاوي لمجلة “تفكير”

في أمسية فكرية ختامية، أسدلت “تفكير” الستار على موسمها الثقافي الحافل الذي شهد تقديم 42 ندوة، بلقاءٍ كان مسك الختام ضمن سلسلة “كاتب وكتاب”. استضافت الندوة رقم 19 الأستاذ الدكتور عبد الباسط سلامة هيكل، أستاذ علوم اللغة العربية بجامعة الأزهر والمتخصص في تحليل بنية الخطاب الديني، لمناقشة كتابه الأحدث الذي حقق فيه مذكرات واحد من أبرز وأشرس رواد الإصلاح الديني في النصف الأول من القرن العشرين: الشيخ عبد المتعال الصعيدي.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 صالون تفكير يختتم 42 ندوة في موسم الربيع بندوة العالم الجليل د. عبد الباسط هيكل عن الشيخ عبد المتعالي الصعيدي

أدارت الندوة الأستاذة أسماء زكي، التي استهلت اللقاء بالإشارة إلى أن هذه المذكرات ليست مجرد “رسالة إصلاح”، بل هي تأريخ لفترة مفصلية من تاريخ مصر، تشهد على ميلاد الطبقة المتوسطة ومعارك فكرية واجتماعية لم تنتهِ فصولها بعد.

d8a3d8b3d985d8a7d8a1-d8b2d983d98a صالون تفكير يختتم 42 ندوة في موسم الربيع بندوة العالم الجليل د. عبد الباسط هيكل عن الشيخ عبد المتعالي الصعيدي
أسماء زكي

لماذا عبد المتعال الصعيدي الآن؟

طرح الدكتور عبد الباسط هيكل سؤالاً جوهرياً في بداية حديثه: لماذا نعود للنبش في مشروع الصعيدي ومذكراته؟ الإجابة تكمن في “حالة المعاناة” التي يعيشها التدين المعاصر. يرى هيكل أن المشكلة ليست في الدين أو الإيمان، بل في “الفكر الديني” الذي بات يفتقر إلى الأبعاد الروحية، الأخلاقية، والجمالية، مما أدى لسيادة العنف وتراجع جوهر الدين في السلوك الاجتماعي. ولأننا نحتاج للتفكير بأدوات مختلفة، تبرز مدرسة الإصلاح والتجديد، والشيخ الصعيدي كأحد أهم رموز جيلها الثاني من تلاميذ الإمام محمد عبده.

d8b9d8a8d8af-d8a7d984d985d8aad8b9d8a7d984-d8a7d984d8b5d8b9d98ad8afd98a صالون تفكير يختتم 42 ندوة في موسم الربيع بندوة العالم الجليل د. عبد الباسط هيكل عن الشيخ عبد المتعالي الصعيدي
الشيخ عبد المتعال الصعيدي

الغريب في رحاب الأزهر

كشف هيكل عن اللحظات الأخيرة في حياة الشيخ الصعيدي، مستشهداً بمقال كتبه قبل وفاته بشهور (مايو 1966) بعنوان “أعيش في الأزهر غريباً”. في هذا المقال، يصور الشيخ نفسه كمن يمشي على الشوك بين قوم غرباء، مناجياً ربه بأنه لم يقصد سوى تطهير الفكر الديني مما أسيء به إليه. هذا الشعور بالغربة لم يكن وليد اللحظة، بل رفيق درب لرجل ترك خلفه تراثاً ضخماً يتكون من 91 كتاباً و30 مخطوطاً، لا يزال الكثير منها حبيس الأدراج.

تأخذنا المذكرات إلى قرية “النجبا” بمحافظة الدقهلية، حيث ولد الشيخ عام 1884. قدم هيكل سرداً ممتعاً حول كيفية نشوء الطبقة المتوسطة في الريف المصري، مشيراً إلى “نظام الالتزام” القديم وكيف تحول الفلاحون إلى ملاك بفضل قرارات الخديوي سعيد بتوزيع الأراضي. الشيخ الصعيدي، الذي نشأ يتيماً، كان شاهداً على هذا التحول الصراعي حول الملكية، وكيف تشكل وجدان هذه الطبقة بين قسوة الفلاحة وطموح التعليم.

ميلاد “ابن القرية” والطبقة المتوسطة

من “الكتاب الحديث” إلى عبقرية “المعهد الأحمدي”

كان الصعيدي “محظوظاً رغم الألم”، فقد التحق بما عرف بـ “الكتاتيب الحديثة” التي أنشئت بدعوة من الحركة الوطنية والإنجليز كبديل للكتاتيب القديمة التي كانت تكتفي برسم المصحف دون تعليم القراءة والكتابة الحقيقية. أظهر الشيخ نبوغاً مبكراً، حيث أتم حفظ القرآن وأجاد الحساب، ثم انتقل إلى “المعهد الأحمدي” بطنطا، ليجتاز سنوات التعليم الأولى في عامين فقط، متحدياً الرتابة التعليمية السائدة.

المعارك المبكرة: التفكير النقدي في مواجهة الجمود

لم يكن الصعيدي طالباً محبوباً من أساتذته؛ والسبب ببساطة هو “كثرة الأسئلة”. فبينما كان الأزهر يقدس الحفظ والتلقين، كان الصعيدي يمارس “التفكير النقدي” ويقوم بعمل نقد للشروح والحواشي وهو لا يزال طالباً. بل إنه تمرد على التقاليد الشكلية مثل تقبيل أيدي الشيوخ، معتبراً إياها مناقضة للكرامة الإنسانية.

أولى معاركه الكبرى بدأت بكتابه عن “النحو التحليلي”، حيث دعا لدراسة النحو من خلال الأمثلة لا من خلال “متن الأجرومية” الصعب، فاعتبر الشيوخ ذلك “إهانة للتراث” وثورة على القديم.

سيد-بن-علي-المرصفي صالون تفكير يختتم 42 ندوة في موسم الربيع بندوة العالم الجليل د. عبد الباسط هيكل عن الشيخ عبد المتعالي الصعيدي
سيد بن علي المرصفي

1924: عام “نقد التعليم” والمحاكمة

كان عام 1924 يمثل للمصريين “عام الحصاد” لثورة 1919 مع تشكيل حكومة الوفد. ظن الصعيدي أن مساحة الحرية ستسمح له بنشر كتابه “نقد التعليم الحديث في الأزهر”، لكن الصدمة كانت في “التفاف” الأزاهرة على النظام الحديث ومحاولة استعادة القوالب القديمة. كانت مقدمة هذا الكتاب هي السبب في إحالته للمحاكمة بتهم وصلت إلى “الكفر” و”انتقاد الدين”.

يرصد هيكل بمرارة كيف تعرض الشيخ للوصف بالكفر في شوارع طنطا، وكيف خذله أقرب أصدقائه، الشيخ محمد العناني، الذي امتنع عن الشهادة لصالحه انحيازاً للشيوخ. ومع ذلك، لم يتراجع الصعيدي، بل ترأس “لجنة إصلاح التعليم الأزهري” التي شكلها الطلاب، وأصدر “المجلة الأزهرية” للمطالبة بمجمع بحوث ونادٍ يعبر عن الطلاب.

الإصلاحى الثائر في بحر السياسة

وصف الدكتور هيكل الشيخ الصعيدي بأنه “إصلاحي ثائر” لا يتبنى المسار التدريجي البطيء، وهو ما ميزه عن أساتذته مثل الشيخ المراغي والشيخ الظواهري الذين مالوا المواءمات السياسية مع القصر وحكومة الوفد. لقد كان الأزهر وقتها “محزباً”، تتقاذفه أمواج الصراعات بين الوفديين والأحرار الدستوريين، بينما آثر الصعيدي الاستقلال النفسي والفكري، مؤمناً بأن المعارك السياسية قد تعيقه عن معركته الأهم: إصلاح الفكر الديني.

تطلعات

اختتم الدكتور عبد الباسط هيكل الجزء الأول من الندوة بالتأكيد على أن الشيخ الصعيدي لم يكن “مجنوناً” كما حاول خصومه تصويره، بل كان عقلاً نقدياً نادراً استمد قوته من تنوع روافده المعرفية بين الأدب، الصحافة، والفكر السياسي.

فتحت الندوة باب النقاش الذي كشف عن شغف الحضور، حيث تساءل د. أكمل صفوت عن موقف الشيخ من كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، فأوضح هيكل أن الصعيدي انتقد طه حسين علمياً في قضية “حجم الانتحال”، لكنه ظل يحترم التفكير النقدي. كما أثار أشرف تساؤلاً حول إمكانية الإصلاح من داخل المؤسسة، ليرد هيكل بأن المنافسة المؤسسية (مثل مدرسة القضاء الشرعي) كانت هي المحرك الحقيقي لتحريك ركود الأزهر.

إن مذكرات عبد المتعال الصعيدي، كما عرضها الدكتور هيكل، ليست مجرد سيرة ذاتية، بل هي دعوة لاستعادة “الدواء الحقيقي” للفكر الديني بدلاً من الاكتفاء بـ “المسكنات”. ومع وعد بلقاء آخر لاستكمال معارك الشيخ الكبرى، تنتهي هذه التغطية لندوة لم تكن مجرد استعراض لكتاب، بل كانت رحلة في عمق أزمات العقل المسلم ومحاولاته المستمرة للتحرر والنهوض.

لمشاهدة ندوات د. عبد الباسط سلامة هيكل في صالون تفكير اضغط هنا

للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات