من الهندسة إلى الشعر… إيهاب لُطيف في حوار مع نهلة هنّو… الجزء الأول
حين يُترجم الشعر إلى أفعال
حوار مع المهندس والشاعر والناشط إيهاب لُطَيف
بقلم: نهلة هنو

نهلة هنو: مساء الخير. أرحب بكم جميعاً، وأرحب بضيفنا المميز اليوم. معنا الباشمهندس إيهاب لطيف، مصري يعيش في مونتريال. اطلعت على قناته على يوتيوب، وشاهدت فيديوهات الأشعار بالعامية المصرية والفصحى والإنجليزية، واستمعت إلى أغان كتب كلماتها، وشاهدت مسرحية، فوجدت نشاطه متعدداً، هذا بالإضافة إلى نشاطه فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. أتمنى أن يحدثنا عن نفسه.
إيهاب لطيف: أولاً، ألف شكر على استضافتي معكم. أتمنى أن تكون هذه الجلسة ممتعة ومفيدة لنا جميعاً. من أصعب الأمور أن يقدم المرء نفسه، وأحياناً يستفيض أكثر من اللازم. سأختصر قدر الإمكان.
أنا من مصر، عشت فيها صغيراً وطالباً، وعشت في إنجلترا فترة، وفي العراق فترة. تخرجت في كلية الهندسة جامعة عين شمس، وبعدها عملت في مصر وفي شركة شلومبرجيه في الخليج، وتنقلت بين عدة دول، ثم هاجرت إلى كندا في أواخر الثمانينات. كنت متزوجاً ولديّ ولدان صغيران جداً عندما وصلنا كندا.
الحياة في كندا شدتنا في كل الاتجاهات، من الناحية العملية، ومن ناحية الانفتاح الفكري الذي كنت أفتقده في مصر. في كندا، انخرطت في المجتمع العربي والمصري والإسلامي، لكنني لم أعزل نفسي عن المجتمع الأوسع. كان لي نشاطات اجتماعية وسياسية في مجالات عدة، منها ما يتعلق بالشأن الكندي، كالمشاركة في الحركة لتغيير النظام الانتخابي إلى نظام التمثيل النسبي المختلط، ومنها ما يتعلق بالشأن الدولي والعربي، ومكافحة العنصرية، والعمل من أجل القضية الفلسطينية في مظاهرات ونشاطات، وفي الحوار مع المجموعات الصهيونية واليهودية. هذه خلاصة ما يقرب من خمس وثلاثين سنة قضيتها في كندا.
أما عملياً، فعدلت شهادتي كمهندس، وعملت في الهندسة، وفي السنوات الأخيرة أعمل في جامعة ماكغيل كمهندس في قسم الهندسة الكهربائية.
على المستوى الدولي، عملت كثيراً من أجل القضية الفلسطينية، خاصة من خلال أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة. كنت أحد المؤسسين لمشروع “القارب الكندي إلى غزة” بعد الهجوم الإسرائيلي على سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، وما زلت منخرطاً في كسر الحصار عن غزة، بالإضافة إلى العمل للقضية الفلسطينية عموماً. أحب أن أؤكد أن موقفي هذا قائم على أسس حقوقية، لا عرقية ولا مذهبية.
تأثرت بنشأتي في الشرق الأوسط في وقت كانت القضية الفلسطينية قضيتنا جميعاً. ربما تراجع الاهتمام بها في فترة من الفترات، لكن مع الإبادة التي حدثت في غزة، عادت القضية الفلسطينية إلى قلب كل عربي وشرق أوسطي.
كما أنني لم أنعزل عن الشأن المصري، فكنت عضواً في عدة مجموعات لمساندة الديمقراطية في مصر. وللأسف، بعد عام 2013، أصبحت أنا وكثير ممن عملوا معي ممنوعين من دخول مصر.
نهلة: متى بدأ الاهتمام بالشعر؟
إيهاب: الاهتمام بالشعر بدأ منذ المرحلة الإعدادية، حيث كنت أكتب كلمات حلمنتيشية لزملائي في المدرسة الإنجليزية بمصر، وأناقش مدرسي اللغة العربية في الأبيات والقوافي. لكن توقفت عن الكتابة لفترة. كتابة الشعر بالعربية، خاصة الفصحى، هي تجربة نضالية بحد ذاتها استمرت خمسين عاماً. في العشر سنوات الأخيرة فقط شعرت أنني أمتلك القدرة على الكتابة بالنحو السليم. أما بالعامية، فبعض ما كتبته منذ سنوات طويلة ما زلت فخوراً به. فالشعر كان اهتماماً دائماً.
نهلة: لكنك دخلت كلية الهندسة، ألم تفكر في دراسة الأدب؟
إيهاب: إطلاقاً. في ذلك الوقت، كان المجموع هو الذي يحدد الكلية التي تدخلها. وكان مجموعي عالياً جداً، لكنني اخترت الهندسة لأنها كانت تستهويني. هناك تعايش في داخلي بين الجانب العاطفي الفني والجانب العملي المنطقي، وهذا ما يعقد حياة الإنسان أحياناً. المواد الهندسية كانت تستهويني في المرحلة الإعدادية والثانوية، أكثر من اللغة العربية التي خفضت مجموعي من 99% إلى 96%، لأنها المادة الوحيدة التي خسرت فيها درجات.
نهلة: ذكرت الخليج. أين كنت تعمل هناك؟
إيهاب: كنت أعمل مع شركة شلومبرجيه التي تنقل موظفيها. توظفت في مصر، ثم عملت في قطر وعمان ودبي، وفترة في السودان ومصر.
نهلة: قبل الهجرة إلى كندا، هل كان هناك اهتمام بالسياسة أو القضية الفلسطينية؟
إيهاب: بصراحة، بعد الزواج والإنجاب، وحتى في السنوات الأولى في كندا، كانت الأولويات العملية هي المسيطرة. بعد الجامعة في مصر، لم تكن لي أي نشاطات أدبية أو سياسية أو اجتماعية. سافرت بعد التخرج بستة أشهر تقريباً. الإنسان يجد نفسه يسبح ضد التيار، وفي النهاية يكتشف أن الأولويات إن لم يحددها هو، تحددها له الظروف.
نهلة: كيف بدأ الاهتمام بالقضية الفلسطينية تحديداً؟
إيهاب: عندما ينتقل الإنسان إلى مكان جديد، يبحث عن من يشترك معه في الاهتمامات. حاولت أن أنشط في المجتمع العربي والمجتمع الإسلامي معاً. وجدت أن المجتمع العربي يفتقر إلى التنظيم والقدرة على مواجهة التحديات، فانخرطت مع مجموعة من الأصدقاء في نشاط اسمه “Parole Arabe” لمحاولة توجيه الاهتمام للمجتمع العربي في مونتريال وكندا. أما المجتمع الإسلامي، فوجدته يعيش في عزلة، فانخرطت فيه أيضاً. لم تكن هذه النوايا موجودة مسبقاً، بل جاءت تدريجياً حين وجدت نقصاً وشعرت أن لدي قدرات يمكن أن تساعد.
نهلة: هل كان هناك حدث معين مثل نقطة تحول في اهتمامك بالقضية؟
إيهاب: نعم، في الانتفاضة الثانية عام 1999 تقريباً، كتبت أول قصيدة بالانجليزية. ومن أوائل مشاركاتي وتنظيمي للنشاطات الفلسطينية في كندا كانت في أوائل التسعينات. أتذكر مشاركتي في تنظيم فعالية عندما اقتحم الجيش الإسرائيلي المسجد الأقصى، وكان ذلك بعد عامين من وصولي إلى كندا. لكن في أواخر التسعينات، شعرت باستقرار وظيفي أكبر، مما شجعني على العمل أكثر. كنت أحد المؤسسين في مونتريال، وعملت مع الاتحاد العربي الكندي والمجلس الوطني للعرب الكنديين.
استهواني جداً الحوار بين العرب واليهود أو الفلسطينيين والصهاينة، رغم أن الكثيرين كانوا يخافون من هذا الحوار. رأيت أن فهمي العميق للطرف الآخر، بدلاً من إضعاف موقفي، جعلني أكثر قدرة على العمل الإعلامي للقضية الفلسطينية. من المهم ألا يكون الإنسان دغمائياً. كل شيء قابل للنقاش. الضعف الحقيقي هو أن يقول الناس “نحن واثقون ولا نريد سماع الطرف الآخر”.
نهلة: أوافقك الرأي، لكن الحوار مع الطرف الآخر أصبح صعباً، خاصة بعد السابع من أكتوبر مع زيادة العدوانية.
إيهاب: بعد أكتوبر، الطرف الآخر فقد عقله وتوازنه. كثير ممن كنت أتحاور معهم برقي قبل أكتوبر، أرسلوا لي رسائل بأنهم لن يتحدثوا معي مجدداً. ما حدث في أسطول غزة الشهر الماضي دليل على أنهم فقدوا توازنهم تماماً. لو كنت مستشاراً لإسرائيل، لنصحتهم ألا يفعلوا ما يفعلونه.
يتبع….
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا:
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد