محمد التداوي يفتح ملف اهتمام الأوروبيين بأصول الخيول العربية في صالون تفكير مع د. آمال عويضة

كتب نور البطاوي خاص لمجلة “تفكير”

في أمسية ثقافية استثنائية ليلة السبت 16 من شهر مايو، استضاف صالون “تفكير” ضمن موسمه “كاتب وكتاب 2026م”، ندوة ثرية لمناقشة كتاب “الخمسة: الحصان العربي الأصيل” للمؤلف الإيطالي كارلو جوارماني، والذي نقله إلى العربية المترجم محمد التداوي،. أدارت الندوة الدكتورة آمال عويضة، التي افتتحت الجلسة بالإشارة إلى أن هذا اللقاء يمثل الجلسة الثامنة من الموسم، موجهة الأنظار نحو كتاب ليس مجرد مرجع في علم الخيول، بل هو جسر ثقافي وتاريخي يربط بين حكمة الصحراء وفضول العالم الخارجي.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 محمد التداوي يفتح ملف اهتمام الأوروبيين بأصول الخيول العربية في صالون تفكير مع د. آمال عويضة

تورط في التاريخ والسياسة

بدأت الدكتورة آمال عويضة حديثها باعتراف مثير، حيث وصفت نفسها بأنها “تورطت” في الكتاب رغم أنها تنتمي لمجال الصحافة والعلوم الأدبية ولا علاقة لها بعالم الخيول. وأوضحت أن هذا التورط جاء نتيجة الأسئلة الكبيرة التي طرحها الكتاب عن وضع العالم العربي في القرن التاسع عشر، وفترة الاستعمار، وصولاً إلى مفاهيم الاستشراق والإسلام السياسي.

أمال-عويضة- محمد التداوي يفتح ملف اهتمام الأوروبيين بأصول الخيول العربية في صالون تفكير مع د. آمال عويضة
د. آمال عويضة

الكتاب، الذي صدر في بولونيا عام 1864، جاء في وقت كانت فيه القوى الاستعمارية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا تتسابق لاستكشاف العالم،. وأشارت عويضة إلى أن المؤلف كارلو جوارماني ذهب في مهمة كلفه بها نابليون الثالث ملك فرنسا لإحضار خيول عربية أصيلة، مما يفتح الباب للتساؤل عن العلاقة بين البحث العلمي والأهداف السياسية في تلك الحقبة.

كارلو جوارماني: الإيطالي الذي عاش عيشة البدو

استعرضت الندوة قصة المؤلف المذهلة، فهو لم يكن مجرد “سائح” أو مستشرق يكتب من مكاتب مكيفة. كارلو جوارماني، الشاب الإيطالي الذي انتقل للعيش في فلسطين مع والده الذي عمل في قطاع البريد، تولد لديه شغف بالخيل من خلال مراقبته للأسواق التي يرتادها البدو.

أوضح المترجم محمد التداوي أن جوارماني قضى 20 عاماً كاملة يطارد الحقيقة في قلب رمال الصحراء العربية، وتحديداً في منطقة نجد،. ولكي يكسب ثقة البدو، تخلى تماماً عن أفكاره الأوروبية المسبقة، فتعلم اللغة العربية بطلاقة، ولبس أزياءهم، ومارس عاداتهم، بل وعاش معهم في خيامهم، حتى اعتبروه واحداً منهم. هذا الهوس المطلق كان دافعه الخوف من العودة إلى أوروبا بحقائق مذهلة لا يصدقها أحد، خاصة في ظل الغطرسة التي كان يتعامل بها المربون الأوروبيون آنذاك.

سر “الخمسة”: حكمة الصحراء مقابل غطرسة أوروبا

محور الكتاب والندوة كان مفهوم “الخمسة”، وهو ليس مجرد تصنيف بسيط، بل نظام صارم لحماية النقاء الجيني توارثه البدو عبر الأجيال من خلال تقاليد شفوية محكمة،. حدد جوارماني السلالات الخمس الحقيقية وهي: (كحيلان، صقلاوي، عبيان، معنقي، وجلفان). والقاعدة البدوية كانت حاسمة: “إن لم ينتمِ الحصان لواحدة من هذه العائلات، فهو لا يمتلك الدم النقي”.

وكشفت الندوة عن التناقض الصارخ بين نظرة البدو ونظرة الأوروبيين في ذلك الوقت؛ فبينما كان الخبراء الأوروبيون يحكمون على الحصان بحجمه وضخامة عظامه وكأنه “آلة”، كان البدو يبحثون عن “نقاء الدم والروح والقدرة على التحمل”،. البدو كانوا “يزرعون الروح”، بينما كان الأوروبيون “يقيسون العضلات”.

وأشار التداوي إلى العبقرية الوراثية لدى البدو الذين اعتبروا الفرس هي “الأرض أو الوعاء” والحصان هو “البذرة”. ورغم أن الفرس تمنح اللون والشكل، إلا أن الفحل هو من يمرر العناصر الحاسمة مثل قوة العظام والروح التي لا تلين،. هذه المعرفة سبقت النظريات العلمية الأوروبية الحديثة بعقود.

رحلة الترجمة: 14 عاماً من البحث

تحدث المترجم محمد التداوي عن رحلته الشخصية مع هذا الكتاب التي بدأت قبل أكثر من 14 عاماً عندما عثر على اسم “الخمسة” في الأرشيفات الإيطالية،. وأوضح أن جوارماني شخصية استثنائية، فكتابه لا يتحدث فقط عن الخيل، بل هو خليط من قصص المدن والتاريخ والثقافة.

واجه التداوي صعوبات جمة في الترجمة، خاصة أن الكتاب كتب باللغة الإيطالية في القرن التاسع عشر. كان عليه أن يقرر هل يترجم “المعنى” أم يلتزم بالنص “الحرفي” الجاف. ومن أبرز التحديات كانت الاستشهادات الدينية والشعرية؛ فجوارماني كان يستشهد بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية والشعر الجاهلي ومقامات الحريري، لكنه كان يكتبها باللغة الإيطالية أو كما يسمعها،،. فكان على التداوي البحث عن الآيات والصور والقصائد الأصلية لإعادتها إلى نصها العربي الصحيح، وهو جهد بحثي مضنٍ استغرق سنوات.

الخيل والفتوحات: المحرك السري للتاريخ العربي

من النقاط المثيرة التي طرحها التداوي هي رؤية جوارماني لدور الحصان في التاريخ الإسلامي؛ حيث عمل المؤلف تاريخاً لعدد الخيل في غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام، مؤكداً أن الحصان العربي الأصيل كان السبب الأساسي في انتصارات العرب العظيمة،. فالحصان العربي يتميز بصدور منتفخة تمنحه نفساً طويلاً لا ينهك بسرعة، وجسد قصير يساعده على المناورة السريعة، مما جعله يتفوق على الخيول التركية والبلجيكية والإنجليزية في أرض المعركة.

جدل الجاسوسية والاستشراق

لم تخلُ الندوة من نقاش ساخن حول تهمة “الجاسوسية” التي لاحقت جوارماني وغيره من المستشرقين. الدكتورة آمال عويضة أشارت إلى أن تمويل هؤلاء الرحالة كان يأتي غالباً من جهات استعمارية، مما يجعل نقل المعلومات يخدم القوى الكبرى،. ورد التداوي موضحاً أن جوارماني قد يكون جمع معلومات لمصلحة بلده، لكن شغفه بالثقافة العربية كان حقيقياً، وكتابه عن الخيل كان “نزعة خاصة” منه أكثر من كونه تكليفاً رسمياً،. وأكد أن اتهام هؤلاء بالجاسوسية -وإن كان له أساس تاريخي- قد حرمنا لفترة طويلة من الاستفادة من الكنوز المعرفية التي وثقوها.

انتقال مراكز التنوير إلى الخليج

وفي سياق الحديث عن الترجمة اليوم، ناقشت الندوة انتقال ثقل مشاريع الترجمة إلى منطقة الخليج العربي، مثل مؤسسة محمد بن راشد للمعرفة ودار قنديل،. وأوضح التداوي أن هذه المؤسسات تهتم بترجمة الكتب التي تبرز التراث العربي والإسلامي، مثل مشروع ترجمة “موسوعة إرث صقلية الإسلامي”، مؤكداً أن هناك منافسة حميدة بين دبي وأبو ظبي وقطر في هذا المجال تخدم القارئ العربي في النهاية.

انتهت الندوة بتأكيد المشاركين على أن رحلة جوارماني لم تكن مجرد مساهمة في علم الخيول، بل هي درس في التواضع أمام المعرفة الأصيلة. الحصان في الثقافة العربية لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل هو “شريك في البطولة ورمز للكرامة المطلقة”.

لقد نجح محمد التداوي في إعادة “الخمسة” إلى موطنه الأصلي، مقدماً للقارئ العربي كنزاً معرفياً يثبت أن أصالة الحصان العربي هي جزء لا يتجزأ من أصالة هويتنا وتاريخنا.

للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة فيديوهات أخرى لمحمد التداوي في صالون تفكير اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات